<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

( { وأما إن كان من المكذبين الضالين } { فنزل من حميم } { وتصلية جحيم } { إن هذا لهو حق اليقين } { فسبح باسم ربك العظيم } ) .

ثم قال تعالى : ( { وأما إن كان من المكذبين الضالين } { فنزل من حميم } { وتصلية جحيم } ) وفيه مسألتان :

المسألة الأولى : قال ههنا : ( { من المكذبين الضالين } ) وقال من قبل : ( { ثم إنكم أيها الضالون المكذبون } ) [ الواقعة : 51 ] وقد بينا فائدة التقديم والتأخير هناك .

المسألة الثانية : ذكر الأزواج الثلاثة في أول السورة بعبارة وأعادهم بعبارة أخرى فقال : ( { أصحاب الميمنة } ) ثم قال : ( { أصحاب اليمين } ) وقال : ( { وأصحاب المشأمة } ) [ الواقعة : 9 ] ثم قال : ( { وأصحاب الشمال } ) [ الواقعة : 41 ] وأعادهم ههنا ، وفي المواضع الثلاثة ذكر أصحاب اليمين بلفظ واحد أو بلفظين مرتين ، أحدهما غير الآخر ، وذكر السابقين في أول السورة بلفظ السابقين ، وفي آخر السورة بلفظ المقربين ، وذكر أصحاب النار في الأول بلفظ ( { أصحاب المشأمة } ) ثم بلفظ ( { أصحاب الشمال } ) ثم بلفظ ( { المكذبين } ) فما الحكمة فيه ؟ نقول : أما السابق فله حالتان : إحداهما في الأولى ، والأخرى في الآخرة ، فذكره في المرة الأولى بما له في الحالة الأولى ، وفي الثانية بما له في الحالة الآخرة ، وليس له حالة هي واسطة بين الوقوف للعرض وبين الحساب ، بل هو ينقل من الدنيا إلى أعلى عليين ، ثم ذكر أصحاب اليمين بلفظين متقاربين ؛ لأن حالهم قريبة من حال السابقين ، وذكر الكفار بألفاظ ثلاثة كأنهم في الدنيا ضحكوا عليهم بأنهم أصحاب موضع شؤم ، فوصفوهم بموضع الشؤم ، فإن المشأمة مفعلة وهي الموضع ، ثم قال : ( { أصحاب الشمال } ) فإنهم في الآخرة يؤتون كتابهم بشمالهم ، ويقفون في موضع هو شمال ، لأجل كونهم من أهل النار ، ثم إنه تعالى لما ذكر حالهم في أول الحشر بكونهم من أصحاب الشمال ذكر ما يكون لهم من السموم والحميم ، ثم لم يقتصر عليه ، ثم ذكر السبب فيه ، فقال : ( { إنهم كانوا قبل ذلك مترفين } { وكانوا يصرون } ) [ الواقعة : 46 ] فذكر سبب العقاب لما بينا مرارا أن العادل يذكر للعقاب سببا ، والمتفضل لا يذكر للإنعام والتفضل سببا ، فذكرهم في الآخرة ما عملوه في الدنيا ، فقال : ( { وأما إن كان من المكذبين } ) ليكون ترتيب العقاب على تكذيب الكتاب فظهر العدل ، وغير ذلك ظاهر .

ثم قال تعالى : ( { إن هذا لهو حق اليقين } { فسبح باسم ربك العظيم } ) وفيه مسألتان :

المسألة الأولى : ( { هذا } ) إشارة إلى ماذا ؟ نقول : فيه وجوه :

أحدها : القرآن .

ثانيها : ما ذكره في السورة .

ثالثها : جزاء الأزواج الثلاثة .

المسألة الثانية : كيف أضاف الحق إلى اليقين مع أنهما بمعنى واحد ؟ نقول : فيه وجوه :

أحدها : هذه الإضافة ، كما أضاف الجانب إلى الغربي في قوله : ( { وما كنت بجانب الغربي } ) [ القصص : 44 ] وأضاف الدار إلى الآخرة في قوله : ( { ولدار الآخرة } ) [ يوسف : 109 ] غير أن المقدر هنا غير ظاهر ، فإن شرط ذلك أن يكون بحيث يوصف باليقين ، ويضاف إليه الحق ، وما يوصف باليقين بعد إضافة الحق إليه .

وثانيها : أنه من الإضافة التي بمعنى من ، كما يقال : باب من ساج ، وباب ساج ، وخاتم من فضة ، وخاتم فضة ، فكأنه قال : لهو الحق من اليقين .

ثالثها : وهو أقرب منها ما ذكره ابن عطية أن ذلك نوع تأكيد يقال : هذا من حق الحق ، وصواب الصواب ، أي غايته ونهايته التي لا وصول فوقه ، والذي وقع في تقرير هذا أن الإنسان أظهر ما عنده الأنوار المدركة بالحس ، وتلك الأنوار أكثرها مشوبة بغيرها ، فإذا وصل الطالب إلى أوله يقول : وجدت أمر كذا ، ثم إنه مع صحة إطلاق اللفظ عليه لا يتميز عن غيره ، فيتوسط الطالب ويأخذ مطلوبه من وسطه ، مثاله من يطلب الماء ، ثم يصل إلى بركة عظيمة ، فإذا أخذ من طرفه شيئا يقول : هو ماء ، وربما يقول قائل آخر : هذا ليس بماء ، وإنما هو طين ، وأما الماء ما أخذته من وسط البركة ، فالذي في طرف البركة ماء بالنسبة إلى أجسام أخرى ، ثم إذا نسب إلى الماء الصافي ربما يقال له شيء آخر ، فإذا قال : هذا هو الماء حقا قد أكد ، وله أن يقول : حق الماء ، أي الماء حقا هذا بحيث لا يقول أحد فيه شيئا ، فكذلك ههنا كأنه قال : هذا هو اليقين حقا لا اليقين الذي يقول بعض إنه ليس بيقين ، ويحتمل وجها آخر ، وهو أن يقال : الإضافة على حقيقتها ، ومعناه أن هذا القول لك يا محمد وللمؤمنين ، وحق اليقين أن تقول كذا ، ويقرب من هذا ما يقال : حق الكمال أن يصلي المؤمن ، وهذا كما قيل في قوله صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ) أن الضمير راجع إلى الكلمة أي إلا بحق الكلمة ، ومن حق الكلمة أداء الزكاة والصلاة ، فكذلك حق اليقين أن يعرف ما قاله الله تعالى في الواقعة في حق الأزواج الثلاثة ، وعلى هذا معناه : أن اليقين لا يحق ولا يكون إلا إذا صدق فيما قاله بحق ، فالتصديق حق اليقين الذي يستحقه ، وأما قوله : ( { فسبح باسم ربك العظيم } ) فقد تقدم تفسيره ، وقلنا إنه تعالى لما بين الحق وامتنع الكفار ، قال لنبيه صلى الله عليه وسلم : هذا هو حق ، فإن امتنعوا فلا تتركهم ولا تعرض عنهم وسبح ربك في نفسك ، وما عليك من قومك سواء صدقوك أو كذبوك ، ويحتمل أن يكون المراد فسبح واذكر ربك باسمه الأعظم ، وهذا متصل بما بعده ؛ لأنه قال في السورة التي تلي هذه : ( { سبح لله ما في السماوات } ) [ الحديد : 1 ] فكأنه قال : سبح الله ما في السماوات ، فعليك أن توافقهم ولا تلتفت إلى الشرذمة القليلة الضالة ، فإن كل شيء معك يسبح الله عز وجل .

تم تفسير السورة ، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 29-29 , الصفحة 177 - 178
counter free hit invisible