<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

{ ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون } { لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون } { لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون } { لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون } { كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم } { كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين } { فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين } { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون } { ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون } { لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون }

لما فرغ سبحانه من ذكر الطبقات الثلاث من المؤمنين ، ذكر ما جرى بين المنافقين واليهود من المقاولة لتعجيب المؤمنين من حالهم ، فقال : { ألم تر إلى الذين نافقوا } والخطاب لرسول الله ، أو لكل من يصلح له ، والذين نافقوا هم عبد الله بن أبي وأصحابه ، وجملة { يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب } مستأنفة لبيان المتعجب منه ، والتعبير بالمضارع لاستحضار الصورة أو للدلالة على الاستمرار ، وجعلهم إخوانا لهم لكون الكفر قد جمعهم ، وإن اختلف نوع كفرهم فهم إخوان في الكفر ، واللام في { لإخوانهم } هي لام التبليغ ، وقيل : هو من قول بني النضير لبني قريظة ، والأول أولى ؛ لأن بني النضير وبني قريظة هم يهود ، والمنافقون غيرهم ، واللام في قوله : { لئن أخرجتم } هي الموطئة للقسم : أي والله لئن أخرجتم من دياركم لنخرجن معكم ، هذا جواب القسم : أي لنخرجن من ديارنا في صحبتكم { ولا نطيع فيكم } أي في شأنكم ، ومن أجلكم أحدا ممن يريد أن يمنعنا من الخروج معكم وإن طال الزمان ، وهو معنى قوله : أبدا ثم لما وعدوهم بالخروج معهم وعدوهم بالنصرة لهم ، فقالوا : { وإن قوتلتم لننصرنكم } على عدوكم .

ثم كذبهم سبحانه فقال : { والله يشهد إنهم لكاذبون } فيما وعدوهم به من الخروج معهم والنصرة لهم .

ثم لما أجمل كذبهم فيما وعدوا به فصل ما كذبوا فيه فقال : { لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم } وقد كان الأمر كذلك ، فإن المنافقين لم يخرجوا مع من أخرج من اليهود وهم بنو النضير ومن معهم ولم ينصروا من قوتل من اليهود وهم بنو قريظة وأهل خيبر { ولئن نصروهم } أي لو قدر وجود نصرهم إياهم ؛ لأن ما نفاه الله لا يجوز وجوده .

قال الزجاج : معناه لو قصدوا نصر اليهود ليولن الأدبار منهزمين { ثم لا ينصرون } يعني اليهود لا يصيرون منصورين إذا انهزم ناصرهم ، وهم المنافقون ، وقيل : يعني لا يصير المنافقون منصورين بعد ذلك ، بل يذلهم الله ولا ينفعهم نفاقهم ، وقيل : معنى الآية : لا ينصرونهم طائعين { ولئن نصروهم } مكرهين ليولن الأدبار ، وقيل : معنى { لا ينصرونهم } : لا يدومون على نصرهم ، والأول أولى ، ويكون من باب قوله : { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه } .

{ لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله } أي لأنتم يا معاشر المسلمين أشد خوفا وخشية في صدور المنافقين ، أو صدور اليهود ، أو صدور الجميع من الله : أي من رهبة الله ، والرهبة هنا بمعنى المرهوبية ، لأنها مصدر من المبني للمفعول ، وانتصابها على التمييز { ذلك بأنهم قوم لا يفقهون } أي ما ذكر من الرهبة الموصوفة بسبب عدم فقههم لشيء من الأشياء ولو كان لهم فقه لعلموا أن الله سبحانه هو الذي سلطكم عليهم ، فهو أحق بالرهبة منه دونكم .

ثم أخبر سبحانه بمزيد فشلهم وضعف نكايتهم فقال : { لا يقاتلونكم جميعا } يعني لا يبرز اليهود والمنافقون مجتمعين لقتالكم ولا يقدرون على ذلك إلا في قرى محصنة بالدروب والدور { أو من وراء جدر } أي من خلف الحيطان التي يستترون بها لجبنهم ورهبتهم .

قرأ الجمهور جدر بالجمع ، وقرأ ابن عباس ، ومجاهد ، وابن محيصن ، وابن كثير ، وأبو عمرو " جدار " بالإفراد .

واختار القراءة الأولى أبو عبيد ، وأبو حاتم لأنها موافقة لقوله { قرى محصنة } .

وقرأ بعض المكيين " جدر " بفتح الجيم وإسكان الدال ، وهي لغة في الجدار .

{ بأسهم بينهم شديد } أي بعضهم غليظ فظ على بعض ، قلوبهم مختلفة ونياتهم متباينة .

قال السدي : المراد اختلاف قلوبهم حتى لا يتفقوا على أمر واحد .

وقال مجاهد : بأسهم بينهم شديد بالكلام والوعيد ليفعلن كذا .

والمعنى : أنهم إذا انفردوا نسبوا أنفسهم إلى الشدة والبأس ، وإذا لاقوا عدوا ذلوا وخضعوا وانهزموا ، وقيل : المعنى أن بأسهم بالنسبة إلى أقرانهم شديد ، وإنما ضعفهم بالنسبة إليكم لما قذف الله في قلوبهم من الرعب ، والأول أولى لقوله : { تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى } فإنه يدل على أن اجتماعهم إنما هو في الظاهر مع تخالف قلوبهم في الباطن ، وهذا التخالف هو البأس الذي بينهم الموصوف بالشدة ، ومعنى " شتى " متفرقة ، قال مجاهد : يعني اليهود والمنافقين تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى .

وروي عنه أيضا أنه قال : المراد المنافقون .

وقال الثوري : هم المشركون وأهل الكتاب .

قال قتادة : { تحسبهم جميعا } أي : مجتمعين على أمر ورأي ، { وقلوبهم شتى } متفرقة ، فأهل الباطل مختلفة آراؤهم مختلفة شهادتهم مختلفة أهواؤهم ، وهم مجتمعون في عداوة أهل الحق .

وقرأ ابن مسعود " وقلوبهم أشت " أي أشد اختلافا { ذلك بأنهم قوم لا يعقلون } أي : ذلك الاختلاف والتشتت بسبب أنهم قوم لا يعقلون شيئا ولو عقلوا لعرفوا الحق واتبعوه .

{ كمثل الذين من قبلهم } أي مثلهم كمثل الذين من قبلهم ، والمعنى : أن مثل المنافقين واليهود كمثل الذين من قبلهم من كفار المشركين قريبا يعني في زمان قريب ، وانتصاب قريبا على الظرفية أي : يشبهونهم في زمن قريب ، وقيل : العامل فيه " ذاقوا " ، أي : ذاقوا في زمن قريب ، ومعنى { ذاقوا وبال أمرهم } أي سوء عاقبة كفرهم في الدنيا بقتلهم يوم بدر ، وكان ذلك قبل غزوة بني النضير بستة أشهر ، قاله مجاهد وغيره ، وقيل : المراد بنو النضير حيث أمكن الله منهم ، قاله قتادة .

وقيل : قتل بني قريظة ، قاله الضحاك .

وقيل : هو عام في كل من انتقم الله منه بسبب كفره ، والأول أولى { ولهم عذاب أليم } أي في الآخرة .

ثم ضرب لليهود والمنافقين مثلا آخر فقال : { كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر } أي مثلهم في تخاذلهم وعدم تناصرهم ، فهو إما خبر مبتدأ محذوف ، أو خبر آخر للمبتدأ المقدر قبل قوله : { كمثل الذين من قبلهم } على تقدير حذف حرف العطف كما تقول : أنت عاقل ، أنت عامل ، أنت كريم .

وقيل : المثل الأول خاص باليهود ، والثاني خاص بالمنافقين ، وقيل : المثل الثاني بيان للمثل الأول .

ثم بين سبحانه وجه الشبه فقال : إذ قال للإنسان اكفر أي أغراه بالكفر وزينه له وحمله عليه ، والمراد بالإنسان هنا جنس من أطاع الشيطان من نوع الإنسان ، وقيل : هو عابد كان في بني إسرائيل حمله الشيطان على الكفر فأطاعه { فلما كفر قال إني بريء منك } أي فلما كفر الإنسان مطاوعة للشيطان ، وقبولا لتزيينه قال الشيطان إني بريء منك ، وهذا يكون منه يوم القيامة ، وجملة { إني أخاف الله رب العالمين } تعليل لبراءته من الإنسان بعد كفره ، وقيل : المراد بالإنسان هنا أبو جهل ، والأول أولى .

قال مجاهد : المراد بالإنسان هنا جميع الناس في غرور الشيطان إياهم ، قيل : وليس قول الشيطان إني أخاف الله على حقيقته ، إنما هو على وجه التبري من الإنسان فهو تأكيد لقوله : { إني بريء منك } قرأ الجمهور " إني " بإسكان الياء .

وقرأ نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو بفتحها .

{ فكان عاقبتهما أنهما في النار } قرأ الجمهور { عاقبتهما } بالنصب على أنه خبر " كان " ، واسمها : { أنهما في النار } .

وقرأ الحسن ، وعمرو بن عبيد بالرفع على أنها اسم كان ، والخبر ما بعده ، والمعنى فكان عاقبة الشيطان ، وذلك الإنسان الذي كفر أنهما صائران إلى النار خالدين فيها قرأ الجمهور خالدين بالنصب على الحال ، وقرأ ابن مسعود ، والأعمش ، وزيد بن علي ، وابن أبي عبلة " خالدان " على أنه خبر " أن " والظرف متعلق به { وذلك جزاء الظالمين } أي الخلود في النار جزاء الظالمين ، ويدخل هؤلاء فيهم دخولا أوليا .

ثم رجع سبحانه إلى خطاب المؤمنين بالموعظة الحسنة فقال : { ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله } أي اتقوا عقابه بفعل ما أمركم به وترك ما نهاكم عنه { ولتنظر نفس ما قدمت لغد } أي لتنظر أي شيء قدمت من الأعمال ليوم القيامة ، والعرب تكني عن المستقبل بالغد ، وقيل : ذكر الغد تنبيها على قرب الساعة { واتقوا الله } كرر الأمر بالتقوى للتأكيد { إن الله خبير بما تعملون } لا تخفى عليه من ذلك خافية ، فهو مجازيكم بأعمالكم إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .

{ ولا تكونوا كالذين نسوا الله } أي تركوا أمره ، أو ما قدروه حق قدره ، أو لم يخافوه ، أو جميع ذلك { فأنساهم أنفسهم } أي جعلهم ناسين لها بسبب نسيانهم له ، فلم يشتغلوا بالأعمال التي تنجيهم من العذاب ، ولم يكفوا عن المعاصي التي توقعهم فيه ، ففي الكلام مضاف محذوف : أي أنساهم حظوظ أنفسهم .

قال سفيان : نسوا حق الله فأنساهم حق أنفسهم ، وقيل : نسوا الله في الرخاء فأنساهم أنفسهم في الشدائد { أولئك هم الفاسقون } أي الكاملون في الخروج عن طاعة الله .

{ لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة } في الفضل والرتبة ، والمراد الفريقان على العموم ، فيدخل في فريق أهل النار من نسي الله منهم دخولا أوليا ، ويدخل في فريق أهل الجنة الذين اتقوا دخولا أوليا لأن السياق فيهم ، وقد تقدم الكلام في معنى مثل هذه الآية في سورة المائدة ، وفي سورة السجدة ، وفي سورة ص .

ثم أخبر سبحانه وتعالى عن أصحاب الجنة بعد نفي التساوي بينهم وبين أهل النار ، فقال : { أصحاب الجنة هم الفائزون } أي الظافرون بكل مطلوب الناجون من كل مكروه .

وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله : { ألم تر إلى الذين نافقوا } قال : عبد الله بن أبي ابن سلول ، ورفاعة بن تابوت ، وعبد الله بن نبتل ، وأوس بن قيظي ، وإخوانهم بنو النضير .

وأخرج ابن إسحاق ، وابن المنذر ، وأبو نعيم في الدلائل عنه ( أن رهطا من بني عوف بن الحارث منهم عبد الله بن أبي ابن سلول ، ووديعة بن مالك ، وسويد ، وداعس بعثوا إلى بني النضير أن اثبتوا وتمنعوا فإننا لا نسلمكم وإن قوتلتم قاتلنا معكم وإن أخرجتم خرجنا معكم ، فتربصوا ذلك من نصرهم فلم يفعلوا ، وقذف الله في قلوبهم الرعب فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم ويكف عن دمائهم ، على أن لهم ما حملت الإبل إلا الحلقة ، ففعل فكان الرجل منهم يهدم بيته فيضعه على ظهر بعير فينطلق به ، فخرجوا إلى خيبر ، ومنهم من سار إلى الشام ) .

وأخرج ابن مردويه عنه أيضا في قوله : { تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى } قال : هم المشركون .

وأخرج عبد الرزاق ، وابن راهويه ، وأحمد في الزهد وعبد بن حميد ، والبخاري في تاريخه وابن جرير ، وابن المنذر ، والحاكم وصححه وابن مردويه ، والبيهقي في الشعب عن علي بن أبي طالب أن رجلا كان يتعبد في صومعة وأن امرأة كان لها إخوة ، فعرض لها شيء فأتوه بها فزينت له نفسه فوقع عليها فحملت ، فجاءه الشيطان ، فقال : اقتلها فإنهم إن ظهروا عليك افتضحت فقتلها ودفنها ، فجاءوا فأخذوه فذهبوا به ، فبينما هم يمشون إذ جاءه الشيطان فقال : إني أنا الذي زينت لك فاسجد لي سجدة أنجك ، فسجد له ، فذلك قوله : { كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر } الآية .

قلت : وهذا لا يدل على أن هذا الإنسان هو المقصود بالآية ، بل يدل على أنه من جملة من تصدق عليه .

وقد أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس بأطول من هذا ، وليس فيه ما يدل على أنه المقصود بالآية .

وأخرجه بنحوه ابن جرير عن ابن مسعود .

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود في قوله : { كمثل الشيطان } قال : ضرب الله مثل الكفار والمنافقين الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1478 - 1479
counter free hit invisible