<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

القول في تفسير السورة التي يذكر فيها الأنعام بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر القول في تأويل قوله ( { الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض } )

قال أبو جعفر : يعني - تعالى ذكره - بقوله : " الحمد لله " الحمد الكامل لله وحده لا شريك له دون جميع الأنداد والآلهة ، ودون ما سواه مما تعبده كفرة خلقه من الأوثان والأصنام .

وهذا كلام مخرجه مخرج الخبر ينحى به نحو الأمر . يقول : أخلصوا الحمد والشكر للذي خلقكم ، أيها الناس ، وخلق السماوات والأرض ، ولا تشركوا معه في ذلك أحدا أو شيئا ، فإنه المستوجب عليكم الحمد بأياديه عندكم ونعمه عليكم ، لا من تعبدونه من دونه ، وتجعلونه له شريكا من خلقه .

وقد بينا الفصل بين معنى " الحمد و " الشكر " بشواهده فيما مضى قبل .



القول في تأويل قوله ( { وجعل الظلمات والنور } )

قال أبو جعفر : يقول - تعالى ذكره - : الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض ، وأظلم الليل ، وأنار النهار ، كما : -

13040 - حدثني محمد بن الحسين قال : حدثنا أحمد بن مفضل قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : " { وجعل الظلمات والنور } " قال : الظلمات ظلمة الليل ، والنور نور النهار .

13041 - حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد بن زريع قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة : أما قوله : " { الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور } " فإنه خلق السماوات قبل الأرض ، والظلمة قبل النور ، والجنة قبل النار .

فإن قال قائل : فما معنى قوله إذا : " جعل " .

قيل : إن العرب تجعلها ظرفا للخبر والفعل فتقول : " جعلت أفعل كذا " و " جعلت أقوم وأقعد " تدل بقولها " جعلت " على اتصال الفعل ، كما تقول "علقت أفعل كذا " لا أنها في نفسها فعل . يدل على ذلك قول القائل : " جعلت أقوم " وأنه لا جعل هناك سوى القيام ، وإنما دل بقوله : " جعلت " على اتصال الفعل ودوامه ،

ومن ذلك قول الشاعر : وزعمت أنك سوف تسلك فاردا والموت مكتنع طريقي قادر فاجعل تحلل من يمينك إنما حنث اليمين على الأثيم الفاجر

يقول : " فاجعل تحلل " بمعنى : تحلل شيئا بعد شيء لا أن هناك جعلا من غير التحليل . فكذلك كل " جعل " في الكلام ، إنما هو دليل على فعل له اتصال ، لا أن له حظا في معنى الفعل .

فقوله : " وجعل الظلمات والنور " إنما هو : أظلم ليلهما ، وأنار نهارهما .



القول في تأويل قوله ( { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } ( 1 ) )

قال أبو جعفر : يقول - تعالى ذكره - ، معجبا خلقه المؤمنين من كفرة عباده ، ومحتجا على الكافرين : إن الإله الذي يجب عليكم - أيها الناس - حمده ، هو الذي خلق السماوات والأرض ، الذي جعل منهما معايشكم وأقواتكم ، وأقوات أنعامكم التي بها حياتكم . فمن السماوات ينزل عليكم الغيث ، وفيها تجري الشمس والقمر باعتقاب واختلاف لمصالحكم . ومن الأرض ينبت الحب الذي به غذاؤكم ، والثمار التي فيها ملاذكم ، مع غير ذلك من الأمور التي فيها مصالحكم ومنافعكم بها والذين يجحدون نعمة الله عليهم بما أنعم به عليهم من خلق ذلك لهم ولكم ، أيها الناس " بربهم " الذي فعل ذلك وأحدثه " يعدلون " يجعلون له شريكا في عبادتهم إياه ، فيعبدون معه الآلهة والأنداد والأصنام والأوثان ، وليس منها شيء شركه في خلق شيء من ذلك ، ولا في إنعامه عليهم بما أنعم به عليهم ، بل هو المنفرد بذلك كله ، وهم يشركون في عبادتهم إياه غيره . فسبحان الله ما أبلغها من حجة ، وأوجزها من عظة ، لمن فكر فيها بعقل ، وتدبرها بفهم !

ولقد قيل : إنها فاتحة التوراة .

ذكر من قال ذلك :

13042 - حدثنا سفيان بن وكيع قال : حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العمي ، عن أبي عمران الجوني ، عن عبد الله بن رباح ، عن كعب قال : فاتحة التوراة فاتحة " الأنعام " : " { الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } " .

13043 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا زيد بن حباب ، عن جعفر بن سليمان ، عن أبي عمران الجوني ، عن عبد الله بن رباح ، عن كعب مثله وزاد فيه : وخاتمة التوراة خاتمة " هود " .

يقال من مساواة الشيء بالشيء : " عدلت هذا بهذا " إذا ساويته به ، " عدلا " . وأما في الحكم إذا أنصفت فيه ، فإنك تقول : " عدلت فيه أعدل عدلا " .

وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله : " يعدلون " قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

13044 - حدثني ابن محمد عمرو قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " يعدلون " قال : يشركون .

ثم اختلف أهل التأويل فيمن عني بذلك :

فقال بعضهم : عني به أهل الكتاب .

ذكر من قال ذلك :

13045 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا يعقوب القمي ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن ابن أبزى قال : جاءه رجل من الخوارج يقرأ عليه هذه الآية : " { الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } " قال له : أليس الذين كفروا بربهم يعدلون؟ قال : بلى ! قال : وانصرف عنه الرجل ، فقال له رجل من القوم : يا ابن أبزى ، إن هذا قد أراد تفسير هذه غير هذا! إنه رجل من الخوارج ! فقال : ردوه علي . فلما جاءه قال : هل تدري فيمن نزلت هذه الآية؟ قال : لا! قال : إنها نزلت في أهل الكتاب ، اذهب ، ولا تضعها على غير حدها .

وقال آخرون : بل عني بها المشركون من عبدة الأوثان .

ذكر من قال ذلك :

13046 - حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد بن زريع قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة : " { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } " قال : هؤلاء أهل صراحيه .

13047 - حدثنا محمد بن الحسين قال : حدثنا أحمد بن مفضل قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : " { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } " قال : هم المشركون .

13048 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : " { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } " قال : الآلهة التي عبدوها ، عدلوها بالله . قال : وليس لله عدل ولا ند ، وليس معه آلهة ، ولا اتخذ صاحبة ولا ولدا .

قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي أن يقال : إن الله - تعالى ذكره - أخبر أن الذين كفروا بربهم يعدلون ، فعم بذلك جميع الكفار ، ولم يخصص منهم بعضا دون بعض . فجميعهم داخلون في ذلك : يهودهم ، ونصاراهم ، ومجوسهم ، وعبدة الأوثان منهم ومن غيرهم من سائر أصناف الكفر .
الكتاب تفسير الطبري , الجزء 11-11 , الصفحة 247 - 254
counter free hit invisible