<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

{ الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور } .

جملة { الحمد لله } تفيد استحقاق الله تعالى الحمد وحده دون غيره لأنها تدل على الحصر . واللام لتعريف الجنس ، فدلت على انحصار استحقاق هذا الجنس لله تعالى . وقد تقدم بيان ذلك مستوفى في أول سورة الفاتحة .

ثم إن جملة { الحمد لله } هنا خبر لفظا ومعنى إذ ليس هنا ما يصرف إلى قصد إنشاء الحمد بخلاف ما في سورة الفاتحة لأنه عقب بقوله : { إياك نعبد } إلى آخر السورة ، فمن جوز في هذه أن تكون إنشاء معنى لم يجد التأمل . فالمعنى هنا أن الحمد كله لا يستحقه إلا الله ، وهذا قصر إضافي للرد على المشركين الذين حمدوا الأصنام على ما تخيلوه من إسدائها إليهم نعما ونصرا وتفريج كربات ، فقد قال أبو سفيان حين انتصر هو وفريقه يوم أحد : اعل هبل ، لنا العزى ولا عزى لكم . ويجوز أن يكون قصرا حقيقيا على معنى الكمال وأن حمد غيره تعالى من المنعمين تسامح لأنه في الحقيقة واسطة صورية لجريان نعمة الله على يديه . والمقصود هو هو ، وهو الرد على المشركين ، لأن الأصنام لا تستحق الحمد الصوري بله الحقيقي كما قال إبراهيم عليه السلام { لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا } . ولذلك عقبت جملة الحمد على عظيم خلق الله تعالى بجملة { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } .

والموصول في محل الصفة لاسم الجلالة ، أفاد مع صلته التذكير بعظيم صفة الخلق الذي عم السماوات والأرض وما فيهن من الجواهر والأعراض . وذلك أوجز لفظ في استحضار عظمة قدرة الله تعالى . وليس في التعريف بالموصولية هنا إيذان بتعليل الجملة التي ذكرت قبله ، إذ ليست الجملة إنشائية كما علمت . والجملة الخبرية لا تعلل ، لأن الخبر حكاية ما في الواقع فلا حاجة لتعليله . فالمقصود من الأوصاف التمهيد لقوله بعد : { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } .

وجمع السماوات لأنها عوالم كثيرة ، إذ كل كوكب منها عالم مستقل عن غيره ، ومنها الكواكب السبعة المشهورة المعبر عنها في القرآن بالسماوات السبع فيما نرى . وأفرد الأرض لأنها عالم واحد ، ولذلك لم يجئ لفظ الأرض في القرآن جمعا .

وقوله : { وجعل الظلمات والنور } أشار في الكشاف أن ( جعل ) إذا تعدى إلى مفعول واحد فهو بمعنى أحدث وأنشأ فيقارب مرادفة معنى ( خلق ) . والفرق بينه وبين ( خلق ) ; فإن في الخلق ملاحظة معنى التقدير ، وفي الجعل ملاحظة معنى الانتساب ، يعني كون المجعول مخلوقا لأجل غيره أو منتسبا إلى غيره ، فيعرف المنتسب إليه بمعونة المقام . فالظلمات والنور لما كانا عرضين كان خلقهما تكوينا لتكيف موجودات السماوات والأرض بهما . ويعرف ذلك بذكر { الظلمات والنور } عقب ذكر { السماوات والأرض } ، وباختيار لفظ الخلق للسماوات والأرض ، ولفظ الجعل للظلمات والنور ، ومنه قوله تعالى : { هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها } فإن الزوج - وهو الأنثى - مراعى في إيجاده أن يكون تكملة لخلق الذكر ، ولذلك عقبه بقوله : { ليسكن إليها } والخلق أعم في الإطلاق ولذلك قال تعالى في آية أخرى : { يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها } لأن كل تكوين لا يخلو من تقدير ونظام .

وخص بالذكر من الجواهر والأعراض عرضين عظيمين ، وهما : الظلمات والنور فقال : { وجعل الظلمات والنور } لاستواء جميع الناس في إدراكهما والشعور بهما . وبذكر هذه الأمور الأربعة حصلت الإشارة إلى جنسي المخلوقات من جواهر وأعراض . فالتفرقة بين فعل ( خلق ) وفعل ( جعل ) هنا معدود من فصاحة الكلمات . وإن لكل كلمة مع صاحبتها مقاما ، وهو ما يسمى في عرف الأدباء برشاقة الكلمة ، ففعل ( خلق ) أليق بإيجاد الذوات ، وفعل ( جعل ) أليق بإيجاد أعراض الذوات وأحوالها ونظامها .

والاقتصار في ذكر المخلوقات على هذه الأربعة تعريض بإبطال عقائد كفار العرب فإنهم بين مشركين وصابئة ومجوس ونصارى ، وكلهم قد أثبتوا آلهة غير الله ; فالمشركون أثبتوا آلهة من الأرض ، والصابئة أثبتوا آلهة من الكواكب السماوية ، والنصارى أثبتوا إلهية عيسى أو عيسى ومريم وهما من الموجودات الأرضية ، والمجوس وهم المانوية ألهوا النور والظلمة ، فالنور إله الخير والظلمة إله الشر عندهم .

فأخبرهم الله تعالى أنه خالق السماوات والأرض ، أي بما فيهن ، وخالق الظلمات والنور .

ثم إن في إيثار الظلمات والنور بالذكر دون غيرهما من الأعراض إيماء وتعريضا بحالي المخاطبين بالآية من كفر فريق وإيمان فريق ، فإن الكفر يشبه الظلمة لأنه انغماس في جهالة وحيرة ، والإيمان يشبه النور لأنه استبانة الهدى والحق . قال تعالى : { يخرجهم من الظلمات إلى النور } . وقدم ذكر الظلمات مراعاة للترتب في الوجود لأن الظلمة سابقة النور ، فإن النور حصل بعد خلق الذوات المضيئة ، وكانت الظلمة عامة . وإنما جمع الظلمات وأفرد النور اتباعا للاستعمال ، لأن لفظ الظلمات بالجمع أخف ، ولفظ النور بالإفراد أخف ، ولذلك لم يرد لفظ الظلمات في القرآن إلا جمعا ولم يرد لفظ النور إلا مفردا . وهما معا دالان على الجنس ، والتعريف الجنسي يستوي فيه المفرد والجمع فلم يبق للاختلاف سبب لاتباع الاستعمال ، خلافا لما في الكشاف .



{ ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } .

عطفت جملة { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } على جملة { الحمد لله الذي خلق السماوات } . فـ ثم للتراخي الرتبي الدال على أن ما بعدها يتضمن معنى من نوع ما قبله ، وهو أهم في بابه . وذلك شأن ( ثم ) إذا وردت عاطفة جملة على أخرى ، فإن عدول المشركين عن عبادة الله مع علمهم بأنه خالق الأشياء أمر غريب فيهم أعجب من علمهم بذلك .

والحجة ناهضة على الذين كفروا لأن جميعهم عدا المانوية يعترفون بأن الله هو الخالق والمدبر للكون ، ولذلك قال الله تعالى : { أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون } .

والخبر مستعمل في التعجيب على وجه الكناية بقرينة موقع ثم ودلالة المضارع على التجدد ، فالتعجيب من شأن المشركين ظاهر وأما المانوية فالتعجيب من شأنهم في أنهم لم يهتدوا إلى الخالق وعبدوا بعض مخلوقاته . فالمراد بـ { الذين كفروا } كل من كفر بإثبات إله غير الله تعالى سواء في ذلك من جعل له شريكا مثل مشركي العرب والصابئة ومن خص غير الله بالإلهية كالمانوية . وهذا المراد دلت عليه القرينة وإن كان غالب عرف القرآن إطلاق الذين كفروا على المشركين .

ومعنى يعدلون يسوون . والعدل : التسوية . تقول : عدلت فلانا بفلان ، إذا سويته به ، كما تقدم في قوله : { أو عدل ذلك صياما } ، فقوله : بربهم متعلق بـ يعدلون ولا يصح تعليقه بـ { الذين كفروا } لعدم الحاجة إلى ذلك .

وحذف مفعول يعدلون ، أي يعدلون بربهم غيره وقد علم كل فريق ماذا عدل بالله . والمراد يعدلونه بالله في الإلهية ، وإن كان بعضهم يعترف بأن الله أعظم كما كان مشركو العرب يقولون : لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك . وكما قالت الصابئة في الأرواح ، والنصارى في الابن والروح القدس .

ومعنى التعجيب عام في أحوال الذين ادعوا الإلهية لغير الله تعالى سواء فيهم من كان أهلا للاستدلال والنظر في خلق السماوات والأرض ومن لم يكن أهلا لذلك ، لأن محل التعجيب أنه يخلقهم ويخلق معبوداتهم فلا يهتدون إليه بل ويختلقون إلهية غيره . ومعلوم أن التعجيب من شأنهم متفاوت على حسب تفاوت كفرهم وضلالهم .
الكتاب التحرير والتنوير , الجزء 7-7 , الصفحة 126 - 129
counter free hit invisible