<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

وهي مدنية .

قال القرطبي : في قول الجميع .

وأخرج ابن الضريس ، والنحاس ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : نزلت سورة الجمعة بالمدينة .

وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير مثله . وأخرج مسلم وأهل السنن ( عن أبي هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الجمعة سورة الجمعة و " إذا جاءك المنافقون ) " .

وأخرج مسلم وأهل السنن عن ابن عباس نحوه .

وأخرج ابن حبان ، والبيهقي في سننه عن جابر بن سمرة قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة " قل يا أيها الكافرون " و " قل هو الله أحد " ، وكان يقرأ في صلاة العشاء الآخرة ليلة الجمعة سورة الجمعة والمنافقون ) .

بسم الله الرحمن الرحيم { يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم } { هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين } { وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم } { ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم } { مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين } { قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } { ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين } { قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون } قوله { يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض } قد تقدم تفسير هذا في أول سورة الحديد ، وما بعدها من المسبحات { الملك القدوس العزيز الحكيم } قرأ الجمهور بالجر في هذه الصفات الأربع على أنها نعت لله ، وقيل : على البدل ، والأول أولى .

وقرأ أبو وائل بن محارب ، وأبو العالية ، ونصر بن عاصم ورؤبة بالرفع على إضمار مبتدأ ، وقرأ الجمهور { القدوس } بضم القاف ، وقرأ زيد بن علي بفتحها ، وقد تقدم تفسيره .

{ هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم } المراد بالأميين العرب ، من كان يحسن الكتابة منهم ومن لا يحسنها ، لأنهم لم يكونوا أهل كتاب ، والأمي في الأصل الذي لا يكتب ولا يقرأ المكتوب ، وكان غالب العرب كذلك ، وقد مضى بيان معنى الأمي في سورة البقرة ، ومعنى منهم من أنفسهم ومن جنسهم ومن جملتهم وما كان حي من أحياء العرب إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة ، ووجه الامتنان بكونه منهم أن ذلك أقرب إلى الموافقة لأن الجنس أميل إلى جنسه وأقرب إليه { يتلو عليهم آياته } يعني : القرآن مع كونه أميا لا يقرأ ولا يكتب ولا تعلم ذلك من أحد ، والجملة صفة ل " رسولا " ، وكذا قوله : { ويزكيهم } ، قال ابن جريج ، ومقاتل ، أي : يطهرهم من دنس الكفر والذنوب ، وقال السدي : يأخذ زكاة أموالهم ، وقيل : يجعلهم أزكياء القلوب بالإيمان { ويعلمهم الكتاب والحكمة } هذه صفة ثالثة ل رسولا ، والمراد بالكتاب القرآن ، وبالحكمة السنة ، كذا قال الحسن .

وقيل : الكتاب الخط بالقلم ، والحكمة الفقه في الدين ، كذا قال مالك بن أنس { وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين } أي : وإن كانوا من قبل بعثته فيهم في شرك وذهاب عن الحق .

{ وآخرين منهم } معطوف على " الأميين " ، أي : بعث في الأميين ، وبعث في آخرين منهم { لما يلحقوا بهم } ذلك الوقت ، وسيلحقون بهم من بعد ، أو هو معطوف على المفعول الأول في " يعلمهم " أي : ويعلم آخرين ، أو على مفعول " يزكيهم " ، أي : يزكيهم ويزكي آخرين منهم ، والمراد بالآخرين من جاء بعد الصحابة إلى يوم القيامة ، وقيل : المراد بهم من أسلم من غير العرب .

وقال عكرمة : هم التابعون .

وقال مجاهد : هم الناس كلهم ، وكذا قال ابن زيد ، والسدي : وجملة { لما يلحقوا بهم } صفة لآخرين ، والضمير في " منهم " و " لهم " راجع إلى الأميين ، وهذا يؤيد أن المراد بالآخرين هم من يأتي بعد الصحابة من العرب خاصة إلى يوم القيامة ، وهو صلى الله عليه وسلم وإن كان مرسلا إلى جميع الثقلين ، فتخصيص العرب هاهنا لقصد الامتنان عليهم ، وذلك لا ينافي عموم الرسالة ، ويجوز أن يراد بالآخرين العجم لأنهم وإن لم يكونوا من العرب ، فقد صاروا بالإسلام منهم والمسلمون كلهم أمة واحدة ، وإن اختلفت أجناسهم { وهو العزيز الحكيم } أي بليغ العزة والحكمة .

والإشارة بقوله : ذلك إلى ما تقدم ذكره .

وقال الكلبي : يعني : الإسلام .

وقال قتادة : يعني : الوحي والنبوة .

وقيل : إلحاق العجم بالعرب ، وهو مبتدأ وخبره { فضل الله يؤتيه من يشاء } أي : يعطيه من يشاء من عباده { والله ذو الفضل العظيم } الذي لا يساويه فضل ولا يدانيه .

{ مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها } ضرب سبحانه لليهود الذين تركوا العمل بالتوراة مثلا فقال : { مثل الذين حملوا التوراة } أي : كلفوا القيام بها والعمل بما فيها { ثم لم يحملوها } أي : لم يعملوا بموجبها ولا أطاعوا ما أمروا به فيها { كمثل الحمار يحمل أسفارا } هي جمع سفر وهو الكتاب الكبير لأنه يسفر عن المعنى إذا قرئ . قال ميمون بن مهران : الحمار لا يدري أسفر على ظهره أم زبل ؟ فهكذا اليهود .

وقال الجرجاني : هو يعني حملوا من الحمالة بمعنى الكفالة ، أي : ضمنوا أحكام التوراة ، وقوله : يحمل في محل نصب على الحال ، أو صفة للحمار إذ ليس المراد حمارا معينا ، فهو في حكم النكرة كما في قول الشاعر : ولقد أمر على اللئيم يسبني فمضيت ثم وقلت لا يعنيني { بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله } أي : بئس مثلا مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله ، على أن التمييز محذوف ، والفاعل المفسر به مضمر ، و " مثل القوم " هو المخصوص بالذم ، أو " مثل القوم " فاعل بئس ، والمخصوص بالذم الموصول بعده على حذف مضاف ، أي : مثل الذين كذبوا ، ويجوز أن يكون الموصول صفة للقوم ، فيكون في محل جر ، والمخصوص بالذم محذوف ، والتقدير : بئس مثل القوم المكذبين مثل هؤلاء { والله لا يهدي القوم الظالمين } يعني على العموم ، فيدخل فيهم اليهود دخولا أوليا .

{ قل ياأيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس } المراد بالذين هادوا تهودوا ، وذلك أن اليهود ادعوا الفضيلة على الناس ، وأنهم أولياء الله من دون الناس ، كما في قولهم { نحن أبناء الله وأحباؤه } [ المائدة : 18 ] وقولهم { لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } [ البقرة : 111 ] فأمر الله سبحانه رسوله أن يقول لهم لما ادعوا هذه الدعوى الباطلة { فتمنوا الموت } لتصيروا إلى ما تصيرون إليه من الكرامة في زعمكم { إن كنتم صادقين } في هذا الزعم ، فإن من علم أنه من أهل الجنة أحب الخلوص من هذه الدار .

قرأ الجمهور { فتمنوا } بضم الواو ، وقرأ ابن السميفع بفتحها تخفيفا ، وحكى الكسائي إبدال الواو همزة .

ثم أخبر الله سبحانه أنهم لا يفعلون ذلك أبدا بسبب ذنوبهم فقال : { ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم } أي بسبب ما عملوا من الكفر والمعاصي والتحريف والتبديل { والله عليم بالظالمين } يعني على العموم ، وهؤلاء اليهود داخلون فيهم دخولا أوليا .

ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يقول لهم بأن الفرار من الموت لا ينجيهم وأنه نازل بهم فقال : { قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم } لا محالة ونازل بكم بلا شك ، والفاء في قوله { فإنه } داخلة لتضمن الاسم معنى الشرط ، قال الزجاج : لا يقال إن زيدا فمنطلق ، وهاهنا قال : { فإنه ملاقيكم } لما في معنى " الذي " من الشرط والجزاء ، أي : إن فررتم منه فإنه ملاقيكم ، ويكون مبالغة في الدلالة على أنه لا ينفع الفرار منه ، وقيل : إنها مزيدة ، وقيل : إن الكلام قد تم عند قوله { تفرون منه } ثم ابتدأ ، فقال { فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة } وذلك يوم القيامة { فينبئكم بما كنتم تعملون } من الأعمال القبيحة ويجازيكم عليها .

وقد أخرج ابن المنذر ، والحاكم ، والبيهقي في الشعب عن عطاء بن السائب عن ميسرة أن هذه الآية مكتوبة في التوراة بسبعمائة آية { يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم } أول سورة الجمعة .

وأخرج البخاري ، ومسلم وغيرهما عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ) . وأخرج البخاري وغيره ( عن أبي هريرة قال : كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم حين نزلت سورة الجمعة فتلاها ، فلما بلغ { وآخرين منهم لما يلحقوا بهم } قال له رجل : يا رسول الله من هؤلاء الذين لم يلحقوا بنا ؟ فوضع يده على سلمان الفارسي وقال : والذي نفسي بيده لو كان الإيمان بالثريا لناله رجال من هؤلاء ) .

وأخرجه أيضا مسلم من حديثه مرفوعا بلفظ : ( لو كان الإيمان عند الثريا لذهب به رجال من فارس ، أو قال : من أبناء فارس ) .

وأخرج سعيد بن منصور ، وابن مردويه عن قيس بن سعد بن عبادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لو كان الإيمان بالثريا لناله ناس من أهل فارس ) .

وأخرج الطبراني ، وابن مردويه ، والضياء عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن في أصلاب أصلاب أصلاب رجال من أصحابي رجالا ونساء من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب ، ثم قرأ { وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم } ) .

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله : { ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء } قال : الدين .

وأخرج عبد بن حميد من طريق الكلبي عن أبي صالح عنه { مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها } قال : اليهود .

وأخرج ابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله : { أسفارا } قال : كتبا .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1490 - 1491
counter free hit invisible