<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

وهي مدنية .

قال القرطبي : في قول الجميع .

وأخرج ابن الضريس ، والنحاس ، وابن مردويه ، والبيهقي عن ابن عباس قال : نزلت سورة المنافقين بالمدينة .

وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله .

وأخرج سعيد بن منصور ، والطبراني في الأوسط ، قال السيوطي بسند حسن عن أبي هريرة قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة فيحرض بها على المؤمنين ، وفي الثانية بسورة المنافقين فيقرع بها المنافقين ) .

وأخرج البزار ، والطبراني عن أبي عنبة الخولاني مرفوعا نحوه .

بسم الله الرحمن الرحيم { إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } { اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون } { ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون } { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون } { وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون } { سواء عليهم أأستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين } { هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون } { يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون } قوله : { إذا جاءك المنافقون } أي : إذا وصلوا إليك وحضروا مجلسك ، وجواب الشرط قالوا ، وقيل : محذوف و قالوا حال ، والتقدير : جاءوك قائلين كيت وكيت فلا تقبل منهم .

وقيل : الجواب { اتخذوا أيمانهم جنة } وهو بعيد { قالوا نشهد إنك لرسول الله } أكدوا شهادتهم بإن واللام للإشعار بأنها صادرة من صميم قلوبهم مع خلوص اعتقادهم ، والمراد بالمنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه ، ومعنى نشهد نحلف ، فهو يجري مجرى القسم ، ولذلك يتلقى بما يتلقى به القسم ، ومن هذا قول قيس بن ذريح : وأشهد عند الله أني أحبها فهذا لها عندي فما عندها ليا ومثل نشهد نعلم ، فإنه يجري مجرى القسم كما في قول الشاعر : ولقد علمت لتأتين منيتي إن المنايا لا تطيش سهامها وجملة { والله يعلم إنك لرسوله } معترضة مقررة لمضمون ما قبلها ، وهو ما أظهروه من الشهادة ، وإن كانت بواطنهم على خلاف ذلك { والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } أي في شهادتهم التي زعموا أنها من صميم القلب وخلوص الاعتقاد ، لا إلى منطوق كلامهم ، وهو الشهادة بالرسالة ، فإنه حق .

والمعنى : والله يشهد إنهم لكاذبون فيما تضمنه كلامهم من التأكيد الدال على أن شهادتهم بذلك صادرة عن خلوص اعتقاد وطمأنينة قلب وموافقة باطن لظاهر { اتخذوا أيمانهم جنة } أي : جعلوا حلفهم الذي حلفوا لكم به إنهم لمنكم وإن محمدا لرسول الله وقاية تقيهم منكم وسترة يستترون بها من القتل والأسر ، والجملة مستأنفة لبيان كذبهم وحلفهم عليه ، وقد تقدم قول من قال إنها جواب الشرط .

قرأ الجمهور أيمانهم بفتح الهمزة ، وقرأ الحسن بكسرها ، وقد تقدم تفسير هذا في سورة المجادلة { فصدوا عن سبيل الله } أي منعوا الناس عن الإيمان والجهاد وأعمال الطاعة بسبب ما يصدر منهم من التشكيك والقدح في النبوة .

وهذا معنى الصد الذي بمعنى الصرف ، ويجوز أن يكون من الصدود ، أي : أعرضوا عن الدخول في سبيل الله وإقامة أحكامه { إنهم ساء ما كانوا يعملون } من النفاق والصد .

وفي ساء معنى التعجب ، والإشارة بقوله : ذلك إلى ما تقدم ذكره من الكذب والصد وقبح الأعمال ، وهو مبتدأ وخبره { بأنهم آمنوا } أي بسبب أنهم آمنوا في الظاهر نفاقا ثم كفروا في الباطن ، أو أظهروا الإيمان للمؤمنين وأظهروا الكفر للكافرين ، وهذا صريح في كفر المنافقين ، وقيل : نزلت الآية في قوم آمنوا ثم ارتدوا ، والأول أولى كما يفيده السياق { فطبع على قلوبهم } أي ختم عليها بسبب كفرهم .

قرأ الجمهور فطبع على البناء للمفعول ، والقائم مقام الفاعل الجار والمجرور بعده ، وقرأ زيد بن علي على البناء للفاعل ، والفاعل ضمير يعود إلى الله سبحانه ، ويدل على هذا قراءة الأعمش " فطبع الله على قلوبهم " فهم لا يفقهون ما فيه من صلاحهم ورشادهم وهو الإيمان .

{ وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم } أي هيئاتهم ومناظرهم ، يعني أن لهم أجساما تعجب من يراها لما فيها من النضارة والرونق { وإن يقولوا تسمع لقولهم } فتحسب أن قولهم حق وصدق لفصاحتهم وذلاقة ألسنتهم ، وقد كان عبد الله بن أبي رأس المنافقين فصيحا جسيما جميلا ، وكان يحضر مجلس النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا قال سمع النبي صلى الله عليه وسلم مقالته .

قال الكلبي : المراد عبد الله بن أبي ، وجد بن قيس ، ، ومعتب بن قيس كانت لهم أجسام ومنظر وفصاحة ، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل : لكل من يصلح له ، ويدل عليه قراءة من قرأ " يسمع " على البناء للمفعول ، وجملة { كأنهم خشب مسندة } مستأنفة لتقرير ما تقدم من أن أجسامهم تعجب الرائي وتروق الناظر ، ويجوز أن تكون في محل رفع على أنها خبر مبتدأ محذوف ، شبهوا في جلوسهم في مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم مستندين بها بالخشب المنصوبة المسندة إلى الحائط التي لا تفهم ولا تعلم ، وهم كذلك لخلوهم عن الفهم النافع والعلم الذي ينتفع به صاحبه ، قال الزجاج : وصفهم بتمام الصور ، ثم أعلم أنهم في ترك الفهم والاستبصار بمنزلة الخشب .

قرأ الجمهور { خشب } بضمتين ، وقرأ أبو عمرو ، والكسائي وقنبل بإسكان الشين ، وبها قرأ البراء بن عازب ، واختارها أبو عبيد لأن واحدتها خشبة كبدنة وبدن ، واختار القراءة الأولى أبو حاتم .

وقرأ سعيد بن جبير ، وسعيد بن المسيب بفتحتين ، ومعنى { مسندة } أنها أسندت إلى غيرها ، من قولهم : أسندت كذا إلى كذا ، والتشديد للتكثير .

ثم عابهم الله سبحانه بالجبن فقال : { يحسبون كل صيحة عليهم } أي يحسبون كل صيحة يسمعونها واقعة عليهم نازلة بهم لفرط جبنهم ورعب قلوبهم ، وفي المفعول الثاني للحسبان وجهان : أحدهما أنه " عليهم " ويكون قوله : { هم العدو } جملة مستأنفة لبيان أنهم الكاملون في العداوة لكونهم يظهرون غير ما يبطنون ، والوجه الثاني أن المفعول الثاني للحسبان هو قوله : { هم العدو } ، ويكون قوله : عليهم متعلقا بـ صيحة ، وإنما جاء بضمير الجماعة باعتبار الخبر ، وكان حقه أن يقال : هو العدو ، والوجه الأول أولى .

قال مقاتل ، والسدي ، أي : إذا نادى مناد في العسكر أو انفلتت دابة أو أنشدت ضالة ظنوا أنهم المرادون لما في قلوبهم من الرعب ، ومن هذا قول الشاعر : ما زلت تحسب كل شيء بعدهم خيلا تكر عليهم ورجالا وقيل : كان المنافقون على وجل من أن ينزل فيهم ما يهتك أستارهم ويبيح دماءهم وأموالهم .

ثم أمر الله سبحانه رسوله بأن يأخذ حذره منهم فقال : فاحذرهم أن يتمكنوا من فرصة منك أو يطلعوا على شيء من أسرارك لأنهم عيون لأعدائك من الكفار .

ثم دعا عليهم بقوله : { قاتلهم الله أنى يؤفكون } أي لعنهم الله ، وقد تقول العرب هذه الكلمة على طريقة التعجب ، كقولهم : قاتله الله من شاعر ، أو ما أشعره ، وليس بمراد هنا ، بل المراد ذمهم وتوبيخهم ، وهو طلب من الله سبحانه طلبه من ذاته عز وجل أن يلعنهم ويخزيهم ، أو هو تعليم للمؤمنين أن يقولوا ذلك ، ومعنى { أنى يؤفكون } كيف يصرفون عن الحق ويميلون عنه إلى الكفر .

قال قتادة : معناه يعدلون عن الحق .

وقال الحسن معناه يصرفون عن الرشد .

{ وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله } أي : إذا قال لهم القائل من المؤمنين قد نزل فيكم ما نزل من القرآن فتوبوا إلى الله ورسوله وتعالوا يستغفر لكم رسول الله { لووا رءوسهم } أي حركوها استهزاء بذلك .

قال مقاتل : عطفوا رءوسهم رغبة عن الاستغفار .

قرأ الجمهور لووا بالتشديد ، وقرأ نافع بالتخفيف واختار القراءة الأولى أبو عبيد ، { ورأيتهم يصدون } أي يعرضون عن قول من قال لهم : تعالوا يستغفر لكم رسول الله ، أو يعرضون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجملة { وهم مستكبرون } في محل نصب على الحال من فاعل الحال الأولى ، وهي يصدون ؛ لأن الرؤية بصرية ف يصدون في محل نصب على الحال ، والمعنى : ورأيتهم صادين مستكبرين .

{ سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم } أي الاستغفار وعدمه سواء لا ينفعهم ذلك لإصرارهم على النفاق واستمرارهم على الكفر .

قرأ الجمهور أستغفرت بهمزة مفتوحة من غير مد ، وحذف همزة الاستفهام ثقة بدلالة " أم " عليها .

وقرأ يزيد بن القعقاع بهمزة ثم ألف { لن يغفر الله لهم } أي : ما داموا على النفاق { إن الله لا يهدي القوم الفاسقين } أي الكاملين في الخروج عن الطاعة والانهماك في معاصي الله ، ويدخل فيهم المنافقون دخولا أوليا .

ثم ذكر سبحانه بعض قبائحهم فقال : { هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا } أي حتى يتفرقوا عنه ، يعنون بذلك فقراء المهاجرين ، والجملة مستأنفة جارية مجرى التعليل لفسقهم ، أو لعدم مغفرة الله لهم .

قرأ الجمهور { ينفضوا } من الانفضاض ، وهو التفرق ، وقرأ الفضل بن عيسى الرقاشي " ينفضوا " من أنفض القوم : إذا فنيت أزوادهم ، يقال نفض الرجل وعاءه من الزاد فانفض .

ثم أخبر سبحانه بسعة ملكه فقال : { ولله خزائن السماوات والأرض } أي إنه هو الرزاق لهؤلاء المهاجرين ؛ لأن خزائن الرزق له فيعطي من شاء ما شاء ويمنع من شاء ما شاء { ولكن المنافقين لا يفقهون } ذلك ولا يعلمون أن خزائن الأرزاق بيد الله عز وجل وأنه الباسط القابض المعطي المانع .

ثم ذكر سبحانه مقالة شنعاء قالوها فقال : { يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل } القائل لهذه المقالة هو عبد الله بن أبي رأس المنافقين ، وعنى بالأعز نفسه ومن معه ، وبالأذل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه ، ومراده بالرجوع رجوعهم من تلك الغزوة ، وإنما أسند القول إلى المنافقين مع كون القائل هو فرد من أفرادهم وهو عبد الله بن أبي لكونه كان رئيسهم وصاحب أمرهم وهم راضون بما يقوله سامعون له مطيعون .

ثم رد الله سبحانه على قائل تلك المقالة ، فقال : { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } أي القوة والغلبة لله وحده ولمن أفاضها عليه من رسله وصالحي عباده لا لغيرهم .

اللهم كما جعلت العزة للمؤمنين على المنافقين فاجعل العزة للعادلين من عبادك ، وأنزل الذلة على الجائرين الظالمين { ولكن المنافقين لا يعلمون } بما فيه النفع فيفعلونه ، وبما فيه الضر فيجتنبونه ، بل هم كالأنعام لفرط جهلهم ومزيد حيرتهم والطبع على قلوبهم .

وقد أخرج البخاري ، ومسلم وغيرهما عن زيد بن أرقم قال : ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فأصاب الناس شدة ، فقال عبد الله بن أبي لأصحابه : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله ، وقال : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك فأرسل إلى عبد الله بن أبي فسأله ، فاجتهد يمينه ما فعل ، فقالوا : كذب زيد رسول الله ، فوقع في نفسي مما قالوا شدة حتى أنزل الله تصديقي في " إذا جاءك المنافقون " فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم ليستغفر لهم فلووا رءوسهم ، وهو قوله { كأنهم خشب مسندة } قال : كانوا رجالا أجمل شيء ) .

وأخرجه عنه بأطول من هذا ابن سعد ، وعبد بن حميد ، والترمذي وصححه وابن المنذر ، والطبراني ، والحاكم وصححه وابن مردويه ، والبيهقي .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : إنما سماهم الله منافقين لأنهم كتموا الشرك وأظهروا الإيمان .

وأخرج ابن المنذر عنه { اتخذوا أيمانهم جنة } قال : حلفهم بالله إنهم لمنكم ، اجتنوا بأيمانهم من القتل والحرب .

وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا { كأنهم خشب مسندة } قال : نخل قيام .

وأخرج ابن مردويه ، والضياء في المختارة عنه أيضا ، قال نزلت هذه الآية { هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا } في عسيف لعمر بن الخطاب .

وأخرج ابن مردويه عن زيد بن أرقم ، وابن مسعود أنهما قرآ " لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله " .

وأخرج البخاري ، ومسلم وغيرهما عن جابر بن عبد الله قال : ( كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة - قال سفيان : يرون أنها غزوة بني المصطلق - فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار ، فقال المهاجري ياللمهاجرين . وقال الأنصاري ياللأنصار ، فسمع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما بال دعوة الجاهلية ؟ قالوا : رجل من المهاجرين كسع رجلا من الأنصار ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : دعوها فإنها منتنة . فسمع ذلك عبد الله بن أبي فقال : أوقد فعلوها ، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فقام عمر فقال : يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : دعه ، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه زاد الترمذي فقال له ابنه عبد الله : والله لا تنفلت حتى تقر أنك الذليل ، ورسول الله العزيز ، ففعل ) .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1494 - 1495
counter free hit invisible