<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

تفسير سورة الحاقة وهي مكية .

بسم الله الرحمن الرحيم

( { الحاقة } ( 1 ) { ما الحاقة } ( 2 ) { وما أدراك ما الحاقة } ( 3 ) { كذبت ثمود وعاد بالقارعة } ( 4 ) { فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية } ( 5 ) { وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية } ( 6 ) { سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية } ( 7 ) { فهل ترى لهم من باقية } ( 8 ) { وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة } ( 9 ) { فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية } ( 10 ) { إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية } ( 11 ) { لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية } ( 12 ) ) الحاقة من أسماء يوم القيامة ; لأن فيها يتحقق الوعد والوعيد ; ولهذا عظم تعالى أمرها فقال : ( { وما أدراك ما الحاقة } ) ؟

ثم ذكر تعالى إهلاكه الأمم المكذبين بها فقال تعالى : ( { فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية } ) وهي الصيحة التي أسكتتهم ، والزلزلة التي أسكنتهم . هكذا قال قتادة ، الطاغية : الصيحة . وهو اختيار ابن جرير .

وقال مجاهد : الطاغية الذنوب . وكذا قال الربيع بن أنس وابن زيد : إنها الطغيان ، وقرأ ابن زيد : ( { كذبت ثمود بطغواها } ) [ الشمس : 11 ] .

وقال السدي : ( { فأهلكوا بالطاغية } ) قال : يعني : عاقر الناقة .

( { وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر } ) أي : باردة . قال قتادة والربيع والسدي والثوري : ( عاتية ) أي : شديدة الهبوب . قال قتادة : عتت عليهم حتى نقبت عن أفئدتهم .

وقال الضحاك : ( صرصر ) باردة ) عاتية ) عتت عليهم بغير رحمة ولا بركة . وقال علي وغيره : عتت على الخزنة فخرجت بغير حساب .

( سخرها عليهم ) أي : سلطها عليهم ( { سبع ليال وثمانية أيام حسوما } ) أي : كوامل متتابعات مشائيم .

قال ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وعكرمة والثوري وغير واحد ) حسوما ) متتابعات .

وعن عكرمة والربيع : مشائيم عليهم ، كقوله : ( { في أيام نحسات } ) [ فصلت : 16 ] قال الربيع : وكان أولها الجمعة . وقال غيره الأربعاء . ويقال : إنها التي تسميها الناس الأعجاز ; وكأن الناس أخذوا ذلك من قوله تعالى : ( { فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية } ) وقيل : لأنها تكون في عجز الشتاء ، ويقال : أيام العجوز ; لأن عجوزا من قوم عاد دخلت سربا فقتلها الريح في اليوم الثامن . حكاه البغوي والله أعلم .

قال ابن عباس : ( خاوية ) خربة . وقال غيره : بالية ، أي : جعلت الريح تضرب بأحدهم الأرض فيخر ميتا على أم رأسه ، فينشدخ رأسه وتبقى جثته هامدة كأنها قائمة النخلة إذا خرت بلا أغصان .

وقد ثبت في الصحيحين ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ( نصرت بالصبا ، وأهلكت عاد بالدبور ) " .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن يحيى بن الضريس العبدي ، حدثنا ابن فضيل ، عن مسلم ، عن مجاهد ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ( ما فتح الله على عاد من الريح التي أهلكوا فيها إلا مثل موضع الخاتم ، فمرت بأهل البادية فحملتهم ومواشيهم وأموالهم ، فجعلتهم بين السماء والأرض ، فلما رأى ذلك أهل الحاضرة الريح وما فيها قالوا : هذا عارض ممطرنا ، فألقت أهل البادية ومواشيهم على أهل الحاضرة ) " .

وقال الثوري ، عن ليث ، عن مجاهد : الريح لها جناحان وذنب .

( { فهل ترى لهم من باقية } ) ؟ أي : هل تحس منهم من أحد من بقاياهم أنه ممن ينتسب إليهم ؟ بل بادوا عن آخرهم ولم يجعل الله لهم خلفا .

ثم قال تعالى : ( { وجاء فرعون ومن قبله } ) قرئ بكسر القاف ، أي : ومن عنده في زمانه من أتباعه من كفار القبط . وقرأ آخرون بفتحها ، أي : ومن قبله من الأمم المشبهين له .

وقوله : ( والمؤتفكات ) وهم المكذبون بالرسل . ) بالخاطئة ) أي بالفعلة الخاطئة ، وهي التكذيب بما أنزل الله .

قال الربيع : ( بالخاطئة ) أي : بالمعصية وقال مجاهد : بالخطايا .

ولهذا قال : تعالى ( { فعصوا رسول ربهم } ) وهذا جنس ، أي : كل كذب رسول الله إليهم . كما قال : ( { كل كذب الرسل فحق وعيد } ) [ ق : 14 ] . ومن كذب رسول الله فقد كذب بالجميع ، كما قال : ( { كذبت قوم نوح المرسلين } ) [ الشعراء : 105 ] ، ( { كذبت عاد المرسلين } ) [ الشعراء : 123 ] . ( { كذبت ثمود المرسلين } ) [ الشعراء : 141 ] وإنما جاء إلى كل أمة رسول واحد ; ولهذا قال ها هنا : ( { فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية } ) أي : عظيمة شديدة أليمة .

قال مجاهد : ( رابية ) شديدة . وقال السدي : مهلكة .

ثم قال الله تعالى : ( { إنا لما طغى الماء } ) أي : زاد على الحد بإذن الله وارتفع على الوجود . وقال ابن عباس وغيره : ( طغى الماء ) كثر - وذلك بسبب دعوة نوح عليه السلام ، على قومه حين كذبوه وخالفوه ، فعبدوا غير الله فاستجاب الله له وعم أهل الأرض بالطوفان إلا من كان مع نوح في السفينة ، فالناس كلهم من سلالة نوح وذريته .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا مهران ، عن أبي سنان سعيد بن سنان ، عن غير واحد ، عن علي بن أبي طالب قال : لم تنزل قطرة من ماء إلا بكيل على يدي ملك ، فلما كان يوم نوح أذن للماء دون الخزان ، فطغى الماء على الخزان فخرج ، فذلك قول الله : ( { إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية } ) ولم ينزل شيء من الريح إلا بكيل على يدي ملك ، إلا يوم عاد ، فإنه أذن لها دون الخزان فخرجت ، فذلك قوله : ( { بريح صرصر عاتية } ) عتت على الخزان .

ولهذا قال تعالى ممتنا على الناس : ( { إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية } ) وهي السفينة الجارية على وجه الماء ، ( { لنجعلها لكم تذكرة } ) عاد الضمير على الجنس لدلالة المعنى عليه ، أي : وأبقينا لكم من جنسها ما تركبون على تيار الماء في البحار ، كما قال : ( { وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه } ) [ الزخرف : 12 ، 13 ] ، وقال تعالى : ( { وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون } ) [ يس : 41 ، 42 ] .

وقال قتادة : أبقى الله السفينة حتى أدركها أوائل هذه الأمة ، والأول أظهر ; ولهذا قال : ( { وتعيها أذن واعية } ) أي : وتفهم هذه النعمة ، وتذكرها أذن واعية .

قال ابن عباس : حافظة سامعة ، وقال قتادة : ( { أذن واعية } ) عقلت عن الله فانتفعت بما سمعت من كتاب الله ، وقال الضحاك : ( { وتعيها أذن واعية } ) سمعتها أذن ووعت . أي : من له سمع صحيح وعقل رجيح . وهذا عام فيمن فهم ، ووعى .

وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة الدمشقي ، حدثنا العباس بن الوليد بن صبح الدمشقي ، حدثنا زيد بن يحيى ، حدثنا علي بن حوشب ، سمعت مكحولا يقول : ( لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( { وتعيها أذن واعية } ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " سألت ربي أن يجعلها أذن علي " . [ قال مكحول ] فكان علي يقول : ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط فنسيته ) .

وهكذا رواه ابن جرير ، عن علي بن سهل ، عن الوليد بن مسلم ، عن علي بن حوشب ، عن مكحول به . وهو حديث مرسل .

وقد قال ابن أبي حاتم أيضا : حدثنا جعفر بن محمد بن عامر ، حدثنا بشر بن آدم ، حدثنا عبد الله بن الزبير أبو محمد - يعني والد أبي أحمد الزبيري - حدثني صالح بن الهيثم ، سمعت بريدة الأسلمي يقول : ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي : " إني أمرت أن أدنيك ولا أقصيك ، وأن أعلمك وأن تعي ، وحق لك أن تعي " . قال : فنزلت هذه الآية ( { وتعيها أذن واعية } ) )

ورواه ابن جرير عن محمد بن خلف ، عن بشر بن آدم ، به ، ثم رواه ابن جرير من طريق آخر عن داود الأعمى ، عن بريدة ، به . ولا يصح أيضا .
الكتاب تفسير ابن كثير , الجزء 8-8 , الصفحة 208 - 211
counter free hit invisible