<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

بسم الله الرحمن الرحيم

القول في تأويل قوله تعالى : ( { سأل سائل بعذاب واقع } ( 1 ) { للكافرين ليس له دافع } ( 2 ) { من الله ذي المعارج } ( 3 ) { تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } ( 4 ) { فاصبر صبرا جميلا } ( 5 ) )

قال أبو جعفر : اختلفت القراء في قراءة قوله : ( { سأل سائل } ) ، فقرأته عامة قراء الكوفة والبصرة : ( { سأل سائل } ) بهمز " سأل سائل" بمعنى سأل سائل من الكفار عن عذاب الله ، بمن هو واقع ، وقرأ ذلك بعض قراء المدينة ( سال سائل ) فلم يهمز سأل ، ووجهه إلى أنه فعل من السيل .

والذي هو أولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأه بالهمز; لإجماع الحجة من القراء على ذلك ، وأن عامة أهل التأويل من السلف بمعنى الهمز تأولوه .

ذكر من تأول ذلك كذلك ، وقال في تأويله نحو قولنا فيه :

حدثني محمد بن سعيد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : ( { سأل سائل بعذاب واقع } ) قال : ذاك سؤال الكفار عن عذاب الله وهو واقع .

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن عنبسة ، عن ليث ، عن مجاهد ( { إن كان هذا هو الحق من عندك } ) . . . الآية ، قال ( { سأل سائل بعذاب واقع } ) .

حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى; وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : ( { سأل سائل } ) قال : دعا داع ، ( { بعذاب واقع } ) قال : يقع في الآخرة ، قال : وهو قولهم : ( { اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء } ) .

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ( { سأل سائل بعذاب واقع } ) قال : سأل عذاب الله أقوام ، فبين الله على من يقع; على الكافرين .

حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، قوله : ( { سأل سائل } ) قال : سأل عن عذاب واقع ، فقال الله : ( { للكافرين ليس له دافع } ) .

وأما الذين قرءوا ذلك بغير همز ، فإنهم قالوا : السائل واد من أودية جهنم .

ذكر من قال ذلك :

حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قول الله : ( { سأل سائل بعذاب واقع } ) قال : قال بعض أهل العلم : هو واد في جهنم يقال له سائل .

وقوله : ( { بعذاب واقع للكافرين } ) يقول : سأل بعذاب للكافرين واجب لهم يوم القيامة واقع بهم ، ومعنى ( للكافرين ) على الكافرين ، كالذي حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : ( { بعذاب واقع للكافرين } ) يقول : واقع على الكافرين ، واللام في قوله : ( للكافرين ) من صلة الواقع .

وقوله : ( { ليس له دافع من الله ذي المعارج } ) يقول تعالى ذكره : ليس للعذاب الواقع على الكافرين من الله دافع يدفعه عنهم .

وقوله : ( { ذي المعارج } ) يعني : ذا العلو والدرجات والفواضل والنعم .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله : ( { ذي المعارج } ) يقول : العلو والفواضل .

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( { من الله ذي المعارج } ) : ذي الفواضل والنعم .

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى; وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : ( { من الله ذي المعارج } ) قال : معارج السماء .

حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ( { ذي المعارج } ) قال : الله ذو المعارج .

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن رجل ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ( { ذي المعارج } ) قال : ذي الدرجات .

وقوله : ( { تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } ) يقول تعالى ذكره : تصعد الملائكة والروح - وهو جبريل عليه السلام - إليه يعني إلى الله جل وعز ، والهاء في قوله : ( إليه ) عائدة على اسم الله ، ( { في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } ) يقول : كان مقدار صعودهم ذلك في يوم لغيرهم من الخلق خمسين ألف سنة ، وذلك أنها تصعد من منتهى أمره من أسفل الأرض السابعة إلى منتهى أمره ، من فوق السماوات السبع .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام بن سلم ، عن عمرو بن معروف ، عن ليث ، عن مجاهد ( { في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } ) قال : منتهى أمره من أسفل الأرضين إلى منتهى أمره من فوق السماوات مقدار خمسين ألف سنة; و : يوم كان مقداره ألف سنة ، يعني بذلك نزول الأمر من السماء إلى الأرض ، ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد ، فذلك مقداره ألف سنة ، لأن ما بين السماء إلى الأرض ، مسيرة خمس مائة عام .

وقال آخرون : بل معنى ذلك : تعرج الملائكة والروح إليه في يوم يفرغ فيه من القضاء بين خلقه ، كان قدر ذلك اليوم الذي فرغ فيه من القضاء بينهم قدر خمسين ألف سنة .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن سماك بن حرب ، عن عكرمة ( { في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } ) قال : في يوم واحد ، يفرغ في ذلك اليوم من القضاء كقدر خمسين ألف سنة .

حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن سماك ، عن عكرمة ( { في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } ) قال : يوم القيامة .

حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن سماك ، عن عكرمة في هذه الآية ( { خمسين ألف سنة } ) قال : يوم القيامة .

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( { تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } ) : ذاكم يوم القيامة .

حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال معمر : وبلغني أيضا ، عن عكرمة ، في قوله : ( { مقداره خمسين ألف سنة } ) : لا يدري أحد كم مضى ، ولا كم بقي إلا الله .

حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله : ( { تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } ) فهذا يوم القيامة ، جعله الله على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة .

حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : ( { في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } ) : يعني يوم القيامة .

حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ( { في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } ) قال : هذا يوم القيامة .

حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني عمرو بن الحارث أن دراجا حدثه عن أبي الهيثم ( عن سعيد ، أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ( { في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } ) ما أطول هذا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "والذي نفسي بيده ، إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من الصلاة المكتوبة يصليها في الدنيا ) " .

وقد روي عن ابن عباس في ذلك غير القول الذي ذكرنا عنه ، وذلك ما :

حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، عن أيوب ، عن ابن أبي مليكة ، أن رجلا سأل ابن عباس عن يوم كان مقداره ألف سنة ، فقال : ما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ؟ قال : إنما سألتك لتخبرني ، قال : هما يومان ذكرهما الله في القرآن ، الله أعلم بهما ، فكره أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم .

حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الوهاب ، قال : ثنا أيوب ، عن ابن أبي مليكة ، قال : سأل رجل ابن عباس عن يوم كان مقداره ألف سنة ، قال : فاتهمه ، فقيل له فيه ، فقال : ما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ؟ فقال : إنما سألتك لتخبرني ، فقال : هما يومان ذكرهما الله جل وعز ، الله أعلم بهما ، وأكره أن أقول في كتاب الله بما لا أعلم; وقرأت عامة قراء الأمصار قوله : ( { تعرج الملائكة والروح } ) بالتاء خلا الكسائي ، فإنه كان يقرأ ذلك بالياء بخبر كان يرويه عن ابن مسعود أنه قرأ ذلك كذلك .

والصواب من قراءة ذلك عندنا ما عليه قراء الأمصار ، وهو بالتاء لإجماع الحجة من القراء عليه .

وقوله : ( { فاصبر صبرا جميلا } ) يقول تعالى ذكره : ( { فاصبر صبرا جميلا } ) يعني : صبرا لا جزع فيه . يقول له : اصبر على أذى هؤلاء المشركين لك ، ولا يثنيك ما تلقى منهم من المكروه عن تبليغ ما أمرك ربك أن تبلغهم من الرسالة .

وكان ابن زيد يقول في ذلك ما حدثني به يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ( { فاصبر صبرا جميلا } ) قال : هذا حين كان يأمره بالعفو عنهم لا يكافئهم ، فلما أمر بالجهاد والغلظة عليهم أمر بالشدة والقتل حتى يتركوا ، ونسخ هذا ، وهذا الذي قاله ابن زيد أنه كان أمر بالعفو بهذه الآية ثم نسخ ذلك ، قول لا وجه له ، لأنه لا دلالة على صحة ما قال من بعض الأوجه التي تصح منها الدعاوى ، وليس في أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم في الصبر الجميل على أذى المشركين ما يوجب أن يكون ذلك أمرا منه له به في بعض الأحوال; بل كان ذلك أمرا من الله له به في كل الأحوال ، لأنه لم يزل صلى الله عليه وسلم من لدن بعثه الله إلى أن اخترمه في أذى منهم ، وهو في كل ذلك صابر على ما يلقى منهم من أذى قبل أن يأذن الله له بحربهم ، وبعد إذنه له بذلك .
الكتاب تفسير الطبري , الجزء 23-23 , الصفحة 596 - 603
counter free hit invisible