<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

وأخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال : نزلت سورة { إنا أرسلنا نوحا } بمكة .

بسم الله الرحمن الرحيم { إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم } { قال يا قوم إني لكم نذير مبين } { أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون } { يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون } { قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا } { فلم يزدهم دعائي إلا فرارا } { وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا } { ثم إني دعوتهم جهارا } { ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا } { فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا } { يرسل السماء عليكم مدرارا } { ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا } { ما لكم لا ترجون لله وقارا } { وقد خلقكم أطوارا } { ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا } { وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا } { والله أنبتكم من الأرض نباتا } { ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا } { والله جعل لكم الأرض بساطا } { لتسلكوا منها سبلا فجاجا }

قوله : { إنا أرسلنا نوحا إلى قومه } قد تقدم أن نوحا أول رسول أرسله الله ، وهو نوح بن لامك بن متوشلخ بن أخنون بن قينان بن شيث بن آدم ، وقد تقدم مدة لبثه في قومه ، وبيان جميع عمره ، وبيان السن التي أرسل وهو فيها في سورة العنكبوت { أن أنذر قومك } أي بأن أنذر ، على أنها مصدرية ، ويجوز أن تكون هي المفسرة ؛ لأن في الإرسال معنى القول .

وقرأ ابن مسعود " أنذر " بدون أن ، وذلك على تقدير القول ، أي : فقلنا له أنذر { من قبل أن يأتيهم عذاب أليم } أي عذاب شديد الألم ، وهو عذاب النار . وقال الكلبي : هو ما نزل بهم من الطوفان .

وجملة { قال ياقوم إني لكم نذير مبين } مستأنفة استئنافا بيانيا على تقدير سؤال ، كأنه قيل : فماذا قال نوح ؟ فقال : قال لهم إلخ .

والمعنى : إني لكم منذر من عقاب الله ومخوف لكم ومبين لما فيه نجاتكم .

{ أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون } " أن " هي التفسيرية لنذير ، أو هي المصدرية ، أي : بأن اعبدوا الله ولا تشركوا به غيره واتقوه ، أي اجتنبوا ما يوقعكم في عذابه وأطيعون فيما آمركم به فإني رسول إليكم من عند الله .

{ يغفر لكم من ذنوبكم } هذا جواب الأمر ، ومن للتبعيض ، أي : بعض ذنوبكم ، وهو ما سلف منها قبل طاعة الرسول وإجابة دعوته . وقال السدي : المعنى يغفر لكم ذنوبكم ، فتكون " من " على هذا زائدة ، وقيل : المراد بالبعض ما لا يتعلق بحقوق العباد ، وقيل : هي لبيان الجنس ، وقيل : يغفر لكم من ذنوبكم ما استغفرتموه منها { ويؤخركم إلى أجل مسمى } أي يؤخر موتكم إلى الأمد الأقصى الذي قدره الله لكم بشرط الإيمان والطاعة فوق ما قدره لكم ، على تقدير بقائكم على الكفر والعصيان ، وقيل : التأخير بمعنى البركة في أعمارهم إن آمنوا وعدم البركة فيها إن لم يؤمنوا . قال مقاتل : يؤخركم إلى منتهى آجالكم .

وقال الزجاج أي : يؤخركم عن العذاب فتموتوا غير ميتة المستأصلين بالعذاب .

وقال الفراء : المعنى لا يميتكم غرقا ولا حرقا ولا قتلا : { إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر } أي ما قدره لكم على تقدير بقائكم على الكفر من العذاب إذا جاء وأنتم باقون على الكفر لا يؤخر بل يقع لا محالة فبادروا إلى الإيمان والطاعة .

وقيل : المعنى : إن أجل الله وهو الموت إذا جاء لا يمكنكم الإيمان ، وقيل : المعنى : إذا جاء الموت لا يؤخر سواء كان بعذاب أو بغير عذاب { لو كنتم تعلمون } أي شيئا من العلم لسارعتم إلى ما أمرتكم به ، أو لعلمتم أن أجل الله إذا جاء لا يؤخر .

{ قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا } أي قال نوح مناديا لربه وحاكيا له ما جرى بينه وبين قومه وهو أعلم به منه : إني دعوت قومي إلى ما أمرتني بأن أدعوهم إليه من الإيمان دعاء دائما في الليل والنهار من غير تقصير . { فلم يزدهم دعائي إلا فرارا } عما دعوتهم إليه وبعدا عنه .

قال مقاتل : يعني تباعدا من الإيمان ، وإسناد الزيادة إلى الدعاء لكونه سببها ، كما في قوله : { زادتهم إيمانا } [ الأنفال : 2 ] .

قرأ الجمهور دعائي بفتح الياء ، وقرأ الكوفيون ويعقوب ، والدوري عن أبي عمرو بإسكانها ، والاستثناء مفرغ .

{ وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم } أي كلما دعوتهم إلى سبب المغفرة ، وهو الإيمان بك ، والطاعة لك { جعلوا أصابعهم في آذانهم } لئلا يسمعوا صوتي { واستغشوا ثيابهم } أي غطوا بها وجوههم لئلا يروني ، وقيل : جعلوا ثيابهم على رءوسهم لئلا يسمعوا كلامي ، فيكون استغشاء الثياب على هذا زيادة في سد الآذان ، وقيل : هو كناية عن العداوة ، يقال لبس فلان ثياب العداوة ، وقيل : استغشوا ثيابهم لئلا يعرفهم فيدعوهم { وأصروا } أي استمروا على الكفر ، ولم يقلعوا عنه ولا تابوا عنه { واستكبروا } عن قبول الحق ، وعن امتثال ما أمرهم به { استكبارا } شديدا .

{ ثم إني دعوتهم جهارا } أي مظهرا لهم الدعوة مجاهرا لهم بها .

{ ثم إني أعلنت لهم } أي دعوتهم معلنا لهم بالدعاء { وأسررت لهم إسرارا } أي وأسررت لهم الدعوة إسرارا كثيرا ، قيل : المعنى : أن يدعو الرجل بعد الرجل يكلمه سرا فيما بينه وبينه ، والمقصود أنه دعاهم على وجوه متخالفة وأساليب متفاوتة فلم ينجع ذلك فيهم . قال مجاهد : معنى أعلنت صحت ، وقيل : معنى أسررت : أتيتهم في منازلهم فدعوتهم فيها .

وانتصاب جهارا على المصدرية ؛ لأن الدعاء يكون جهارا ويكون غير جهار .

فالجهار نوع من الدعاء كقولهم : قعد القرفصاء ، ويجوز أن يكون نعت مصدر محذوف ، أي : دعاء جهارا ، وأن يكون مصدرا في موضع الحال ، أي : مجاهرا ، ومعنى " ثم " الدلالة على تباعد الأحوال ؛ لأن الجهار أغلظ من الإسرار ، والجمع بين الأمرين أغلط من أحدهما .

قرأ الجمهور إني بسكون الياء ، وقرأ أبو عمرو والحرميون بفتحها .

{ فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا } أي سلوه المغفرة من ذنوبكم السابقة بإخلاص النية { إنه كان غفارا } أي : كثير المغفرة للمذنبين ، وقيل : معنى استغفروا : توبوا عن الكفر إنه كان غفارا للتائبين .

{ يرسل السماء عليكم مدرارا } أي يرسل ماء السماء عليكم ، ففيه إضمار ، وقيل : المراد بالسماء المطر ، كما في قول الشاعر : إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا

والمدرار : الدرور ، وهو التحلب بالمطر ، وانتصابه إما على الحال من السماء ، ولم يؤنث لأن مفعالا لا يؤنث ، تقول : امرأة مئناث ومذكار ، أو على أنه نعت لمصدر محذوف ، أي : إرسالا مدرارا ، وقد تقدم الكلام عليه في سورة الأنعام ، وجزم " يرسل " لكونه جواب الأمر .

وفي هذه الآية دليل على أن الاستغفار من أعظم أسباب المطر وحصول أنواع الأرزاق ، ولهذا قال { ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات } يعني بساتين { ويجعل لكم أنهارا } جارية .

قال عطاء : المعنى يكثر أموالكم وأولادكم .

أعلمهم نوح عليه السلام أن إيمانهم بالله يجمع لهم مع الحظ الوافر في الآخرة الخصب والغنى في الدنيا .

{ ما لكم لا ترجون لله وقارا } أي أي عذر لكم في ترك الرجاء ، والرجاء هنا بمعنى الخوف ، أي : ما لكم لا تخافون الله ، والوقار العظمة من التوقير وهو التعظيم ، والمعنى لا تخافون حق عظمته فتوحدونه وتطيعونه ، و { لا ترجون } في محل نصب على الحال من ضمير المخاطبين ، والعامل فيه معنى الاستقرار في لكم ، ومن إطلاق الرجاء على الخوف قول الهذلي : إذا لسعته النحل لم يرج لسعها وقال سعيد بن جبير ، وأبو العالية ، وعطاء بن أبي رباح : ما لكم لا ترجون لله ثوابا ولا تخافون منه عقابا . وقال مجاهد ، والضحاك : ما لكم لا تبالون لله عظمة .

قال قطرب : هذه لغة حجازية . وهذيل وخزاعة ومضر يقولون : لم أرج : لم أبل . وقال قتادة : ما لكم لا ترجون لله عاقبة الإيمان .

وقال ابن كيسان : ما لكم لا ترجون في عبادة الله وطاعته أن يثيبكم على توقيركم خيرا . وقال ابن زيد : ما لكم لا تؤدون لله طاعة . وقال الحسن : ما لكم لا تعرفون لله حقا ولا تشكرون له نعمة .

وجملة { وقد خلقكم أطوارا } في محل نصب على الحال ، أي : والحال أنه سبحانه قد خلقكم على أطوار مختلفة : نطفة ، ثم مضغة ، ثم علقة إلى تمام الخلق كما تقدم بيانه في سورة المؤمنين ، والطور في اللغة المرة ، وقال ابن الأنباري : الطور الحال وجمعه أطوار ، وقيل : أطوارا : صبيانا ثم شبانا ثم شيوخا ، وقيل : الأطوار اختلافهم في الأفعال والأقوال والأخلاق ، والمعنى : كيف تقصرون في توقير من خلقكم على هذه الأطوار البديعة .

{ ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا } الخطاب لمن يصلح له ، والمراد الاستدلال بخلق السماوات على كمال قدرته وبديع صنعه ، وأنه الحقيق بالعبادة . والطباق : المتطابقة بعضها فوق بعض كل سماء مطبقة على الأخرى كالقباب . قال الحسن : خلق الله سبع سماوات على سبع أرضين بين كل سماء وسماء وأرض وأرض خلق وأمر ، وقد تقدم تحقيق هذا في قوله : { ومن الأرض مثلهن } [ الطلاق : 12 ] وانتصاب " طباقا " على المصدرية ، تقول طابقه مطابقة وطباقا ، أو حال بمعنى ذات طباق ، فحذفت ذات وأقام طباقا مقامه ، وأجاز الفراء في غير القرآن جر " طباقا " على النعت .

{ وجعل القمر فيهن نورا } أي منورا لوجه الأرض ، وجعل القمر في السماوات مع كونها في سماء الدنيا ؛ لأنها إذا كانت في إحداهن ، فهي فيهن ، كذا قال ابن كيسان .

قال الأخفش : كما تقول أتاني بنو تميم ، والمراد بعضهم .

وقال قطرب فيهن بمعنى معهن ، أي : خلق القمر والشمس مع خلق السماوات والأرض ، كما في قول امرئ القيس : وهل ينعمن من كان آخر عهده ثلاثين شهرا في ثلاثة أحوال

أي مع ثلاثة أحوال { وجعل الشمس سراجا } أي كالمصباح لأهل الأرض ليتوصلوا بذلك إلى التصرف فيما يحتاجون إليه من المعاش .

{ والله أنبتكم من الأرض نباتا } يعني آدم خلقه الله من أديم الأرض ، والمعنى : أنشأكم منها إنشاء ، فاستعير الإنبات للإنشاء لكونه أدل على الحدوث والتكوين ، ونباتا إما مصدر لأنبت على حذف الزوائد أو مصدر لفعل محذوف ، أي : أنبتكم من الأرض فنبتم نباتا .

وقال الخليل ، والزجاج : هو مصدر لفعل محذوف ، أي : أنبتكم من الأرض فنبتم نباتا .

وقال الخليل ، والزجاج : هو مصدر محمول على المعنى ؛ لأن معنى أنبتكم : جعلكم تنبتون نباتا .

وقيل : المعنى : والله أنبت لكم من الأرض النبات ، ف " نباتا " على هذا مفعول به .

قال ابن بحر : أنبتهم في الأرض بالكبر بعد الصغر وبالطول بعد القصر .

{ ثم يعيدكم فيها } أي : في الأرض { ويخرجكم إخراجا } يعني يخرجكم منها بالبعث يوم القيامة .

{ والله جعل لكم الأرض بساطا } أي فرشها وبسطها لكم تتقلبون عليها تقلبكم على بسطكم في بيوتكم .

{ لتسلكوا منها سبلا فجاجا } أي طرقا واسعة ، والفجاج جمع فج وهو الطريق الواسع ، كذا قال الفراء وغيره ، وقيل : الفج : المسلك بين الجبلين ، وقد مضى تحقيق هذا في سورة الأنبياء وفي سورة الحج مستوفى .

وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله : { جعلوا أصابعهم في آذانهم } قال : لئلا يسمعوا ما يقول { واستغشوا ثيابهم } قال : ليتنكروا فلا يعرفهم { واستكبروا استكبارا } قال : تركوا التوبة .

وأخرج سعيد بن منصور ، وابن المنذر عنه { واستغشوا ثيابهم } قال : غطوا وجوههم لئلا يروا نوحا ولا يسمعوا كلامه .

وأخرج سعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، والبيهقي في الشعب عنه أيضا في قوله : { ما لكم لا ترجون لله وقارا } قال : لا تعلمون لله عظمة .

وأخرج ابن جرير ، والبيهقي عنه أيضا { وقارا } قال : عظمة .

وفي قوله : { وقد خلقكم أطوارا } قال : نطفة ثم علقة ثم مضغة .

وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا قال : لا تخشون له عقابا ولا ترجون له ثوابا .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن علي بن أبي طالب ( أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ناسا يغتسلون عراة ليس عليهم أزر ، فوقف فنادى بأعلى صوته { ما لكم لا ترجون لله وقارا } ) .

وأخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وأبو الشيخ في العظمة عن عبد الله بن عمرو قال : الشمس والقمر وجوههما قبل السماء وأقفيتهما قبل الأرض ، وأنا أقرأ بذلك عليكم أنه من كتاب الله { وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا } .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن المنذر ، وأبو الشيخ في العظمة عن عبد الله بن عمر قال : تضيء لأهل السماوات كما تضيء لأهل الأرض .

وأخرج عبد بن حميد عن شهر بن حوشب قال : اجتمع عبد الله بن عمرو بن العاص ، وكعب الأحبار وقد كان بينهما بعض العتب فتعاتبا فذهب ذلك ، فقال عبد الله بن عمرو لكعب : سلني عما شئت فلا تسألني عن شيء إلا أخبرتك بتصديق قولي من القرآن ، فقال له : أرأيت ضوء الشمس والقمر أهو في السماوات السبع كما هو في الأرض ؟ قال : نعم ، ألم تروا إلى قول الله : { خلق الله سبع سماوات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا } .

وأخرج عبد بن حميد ، وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه عن ابن عباس { وجعل القمر فيهن نورا } قال : وجهه في السماء إلى العرش وقفاه إلى الأرض .

وأخرج عبد بن حميد من طريق الكلبي عن أبي صالح عنه { وجعل القمر فيهن نورا } قال : خلق فيهن حين خلقهن ضياء لأهل الأرض ، وليس في السماء من ضوئه شيء .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر عنه أيضا { سبلا فجاجا } قال : طرقا مختلفة .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1534 - 1535
counter free hit invisible