<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

( سورة نوح )

عشرون وثمان آيات مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

( { إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم } { قال يا قوم إني لكم نذير مبين } { أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون } { يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون } ) .

بسم الله الرحمن الرحيم

( { إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك } ) في قوله "أن" وجهان :

أحدهما : أصله بأن أنذر فحذف الجار وأوصل الفعل ، والمعنى أرسلناه بأن قلنا له : أنذر أي أرسلناه بالأمر بالإندار .

الثاني : قال الزجاج : يجوز أن تكون مفسرة ، والتقدير : إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أي أنذر قومك . وقرأ ابن مسعود ، " أنذر " بغير أن على إرادة القول .

ثم قال : ( { من قبل أن يأتيهم عذاب أليم } ) قال مقاتل : يعني الغرق بالطوفان .

واعلم أن الله تعالى لما أمره بذلك امتثل ذلك الأمر ، و ( { قال ياقوم إني لكم نذير مبين } ) .

ثم قال : ( { أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون } { يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون } ) . أن اعبدوا هو نظير أن أنذر في الوجهين ، ثم إنه أمر القوم بثلاثة أشياء ؛ بعبادة الله وتقواه وطاعة نفسه ، فالأمر بالعبادة يتناول جميع الواجبات والمندوبات من أفعال القلوب وأفعال الجوارح ، والأمر بتقواه يتناول الزجر عن جميع المحظورات والمكروهات ، وقوله : ( { وأطيعون } ) يتناول أمرهم بطاعته وجميع المأمورات والمنهيات ، وهذا وإن كان داخلا في الأمر بعبادة الله وتقواه ، إلا أنه خصه بالذكر تأكيدا في ذلك التكليف ومبالغة في تقريره ، ثم إنه تعالى لما كلفهم بهذه الأشياء الثلاثة وعدهم عليها بشيئين :

أحدهما : أن يزيل مضار الآخرة عنهم ، وهو قوله : ( { يغفر لكم من ذنوبكم } ) .

الثاني : يزيل عنهم مضار الدنيا بقدر الإمكان ، وذلك بأن يؤخر أجلهم إلى أقصى الإمكان . وههنا سؤالات :

السؤال الأول : ما فائدة " من " في قوله : ( { يغفر لكم من ذنوبكم } ) ؟ ( والجواب ) من وجوه :

أحدها : أنها صلة زائدة والتقدير يغفر لكم ذنوبكم .

والثاني : أن غفران الذنب هو أن لا يؤاخذ به ، فلو قال : يغفر لكم ذنوبكم ، لكان معناه أن لا يؤاخذكم بمجموع ذنوبكم ، وعدم المؤاخذة بالمجموع لا يوجب عدم المؤاخذة بكل واحد من آحاد المجموع ، فله أن يقول : لا أطالبك بمجموع ذنوبك ، ولكني أطالبك بهذا الذنب الواحد فقط ، أما لما قال : ( { يغفر لكم من ذنوبكم } ) كان تقديره يغفر كل ما كان من ذنوبكم ، وهذا يقتضي عدم المؤاخذة على مجموع الذنوب وعدم المؤاخذة أيضا على كل فرد من أفراد المجموع .

الثالث : أن قوله : ( { يغفر لكم من ذنوبكم } ) هب أنه يقتضي التبعيض لكنه حتى لأن من آمن فإنه يصير ما تقدم من ذنوبه على إيمانه مغفورا ، أما ما تأخر عنه فإنه لا يصير بذلك السبب مغفورا ، فثبت أنه لا بد ههنا من حرف التبعيض .

السؤال الثاني : كيف قال : ( { ويؤخركم } ) مع إخباره بامتناع تأخير الأجل ، وهل هذا إلا تناقض ؟ ( الجواب ) قضى الله مثلا أن قوم نوح إن آمنوا عمرهم الله ألف سنة ، وإن بقوا على كفرهم أهلكهم على رأس تسعمائة سنة ، فقيل لهم : آمنوا ( { ويؤخركم إلى أجل مسمى } ) أي إلى وقت سماه الله وجعله غاية الطول في العمر ، وهو تمام الألف ، ثم أخبر أنه إذا انقضى ذلك الأجل الأطول لا بد من الموت .

السؤال الثالث : ما الفائدة في قوله ( { لو كنتم تعلمون } ( ( الجواب ) الغرض الزجر عن حب الدنيا ، وعن التهالك عليها والإعراض عن الدين بسبب حبها ، يعني أن غلوهم في حب الدنيا وطلب لذاتها بلغ إلى حيث يدل على أنهم شاكون في الموت .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 30-30 , الصفحة 119 - 120
counter free hit invisible