<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

بسم الله الرحمن الرحيم

القول في تأويل قوله تعالى : ( { قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرءانا عجبا } ( 1 ) { يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا } ( 2 ) { وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا } ( 3 ) )

يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد أوحى الله إلي ( { أنه استمع نفر من الجن } ) هذا القرآن ( فقالوا ) لقومهم لما سمعوه : ( { إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد } ) يقول : يدل على الحق وسبيل الصواب ( { فآمنا به } ) يقول : فصدقناه ( { ولن نشرك بربنا أحدا } ) من خلقه .

وكان سبب استماع هؤلاء النفر من الجن القرآن ، كما حدثني محمد بن معمر ، قال : ثنا أبو هشام ، يعني المخزومي ، قال : ثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : ( ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن ولا رآهم; انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه ، عامدين إلى سوق عكاظ ، قال : وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء ، وأرسلت عليهم الشهب ، فرجعت الشياطين إلى قومهم ، فقالوا : ما لكم ؟ فقالوا : حيل بيننا وبين خبر السماء ، وأرسلت علينا الشهب ، فقالوا : ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث .

قال : فانطلقوا فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الذي حدث ، قال : فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها ، يتتبعون ما هذا الذي حال بينهم وبين خبر السماء; قال : فانطلق النفر الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنخلة ، وهو عامد إلى سوق عكاظ ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر; قال : فلما سمعوا القرآن استمعوا له فقالوا : هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء ، قال : فهنالك حين رجعوا إلى قومهم ، فقالوا : يا قومنا ( { إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا } ) قال : فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم : ( { قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن } ) وإنما أوحي إليه قول الجن ) .

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن عاصم ، عن ورقاء ، قال : ( قدم رهط زوبعة وأصحابه مكة على النبي صلى الله عليه وسلم فسمعوا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ثم انصرفوا ، فذلك قوله : ( { وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا } ) قال : كانوا تسعة فيهم زوبعة ) .

حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : ( { قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن } ) هو قول الله ( { وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن } ) لم تحرس السماء في الفترة بين عيسى ومحمد; فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم حرست السماء الدنيا ، ورميت الشياطين بالشهب ، فقال إبليس : لقد حدث في الأرض حدث ، فأمر الجن فتفرقت في الأرض لتأتيه بخبر ما حدث . وكان أول من بعث نفر من أهل نصيبين ، وهي أرض باليمن ، وهم أشراف الجن وسادتهم ، فبعثهم إلى تهامة وما يلي اليمن ، فمضى أولئك النفر ، فأتوا على الوادي وادي نخلة ، وهو من الوادي مسيرة ليلتين ، فوجدوا به نبي الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الغداة ، فسمعوه يتلو القرآن; فلما حضروه ، قالوا : أنصتوا ، فلما قضي ، يعني فرغ من الصلاة ، ولوا إلى قومهم منذرين ، يعني مؤمنين ، لم يعلم بهم نبي الله صلى الله عليه وسلم ولم يشعر أنه صرف إليه ، حتى أنزل الله عليه : ( { قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن } ) .

وقوله : ( { وأنه تعالى جد ربنا } ) اختلف أهل التأويل في معنى ذلك ، فقال بعضهم : معناه : فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا ، وآمنا بأنه تعالى أمر ربنا وسلطانه وقدرته .

ذكر من قال ذلك :

حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثنا معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله : ( { وأنه تعالى جد ربنا } ) يقول : فعله وأمره وقدرته .

حدثني محمد بن سعد ، قال : ثنا أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : ( { وأنه تعالى جد ربنا } ) يقول : تعالى أمر ربنا .

حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قالا ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن قتادة في هذه الآية : ( { تعالى جد ربنا } ) قال : أمر ربنا .

حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن السدي : ( { تعالى جد ربنا } ) قال : أمر ربنا .

حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ( { تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا } ) قال : تعالى أمره أن يتخذ - ولا يكون الذي قالوا - صاحبة ولا ولدا ، وقرأ : ( { قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد } ) قال : لا يكون ذلك منه .

وقال آخرون : عني بذلك جلال ربنا وذكره .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه ، قال : قال عكرمة ، في قوله : ( { جد ربنا } ) قال : جلال ربنا .

حدثني محمد بن عمارة ، قال : ثني خالد بن يزيد ، قال : ثنا أبو إسرائيل ، عن فضيل ، عن مجاهد ، في قوله : ( { وأنه تعالى جد ربنا } ) قال : جلال ربنا .

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران عن سفيان ، عن سليمان التيمي قال : قال عكرمة : ( { تعالى جد ربنا } ) جلال ربنا .

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ( { وأنه تعالى جد ربنا } ) : أي تعالى جلاله وعظمته وأمره .

حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله : ( { تعالى جد ربنا } ) قال : تعالى أمر ربنا : تعالت عظمته .

وقال آخرون : بل معنى ذلك : تعالى غنى ربنا .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا المعتمر ، عن أبيه ، قال : قال الحسن ، في قوله : ( { تعالى جد ربنا } ) قال : غنى ربنا .

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن سليمان التيمي ، عن الحسن ( { تعالى جد ربنا } ) قال : غنى ربنا .

حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، عن أبي رجاء ، عن الحسن ، في قوله : ( { تعالى جد ربنا } ) قال : غنى ربنا .

حدثنا الحسن بن عرفة ، قال : ثنا هشيم ، عن سليمان التيمي ، عن الحسن وعكرمة ، في قول الله : ( { وأنه تعالى جد ربنا } ) قال أحدهما : غناه ، وقال الآخر : عظمته .

وقال آخرون : عني بذلك الجد الذي هو أب الأب ، قالوا : ذلك كان من كلام جهلة الجن .

ذكر من قال ذلك :

حدثني أبو السائب ، قال : ثني أبو جعفر محمد بن عبد الله بن أبي سارة ، عن أبيه ، عن أبي جعفر : ( { تعالى جد ربنا } ) قال : كان كلاما من جهلة الجن .

وقال آخرون : عني بذلك ذكره .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى; وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : ( { تعالى جد ربنا } ) قال : ذكره .

وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب قول من قال : عني بذلك : تعالت عظمة ربنا وقدرته وسلطانه .

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لأن للجد في كلام العرب معنيين أحدهما : الجد الذي هو أبو الأب ، أو أبو الأم ، وذلك غير جائز أن يوصف به هؤلاء النفر الذين وصفهم الله بهذه الصفة ، وذلك أنهم قد قالوا : ( { فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا } ) ومن وصف الله بأن له ولدا أو جدا أو هو أبو أب أو أبو أم ، فلا شك أنه من المشركين .

والمعنى الآخر : الجد الذي بمعنى الحظ; يقال : فلان ذو جد في هذا الأمر : إذا كان له حظ فيه ، وهو الذي يقال له بالفارسية : البخت ، وهذا المعنى قصده هؤلاء النفر من الجن بقيلهم : ( { وأنه تعالى جد ربنا } ) إن شاء الله .

وإنما عنوا أن حظوته من الملك والسلطان والقدرة والعظمة عالية ، فلا يكون له صاحبة ولا ولد; لأن الصاحبة إنما تكون للضعيف العاجز الذي تضطره الشهوة الباعثة إلى اتخاذها ، وأن الولد إنما يكون عن شهوة أزعجته إلى الوقاع الذي يحدث منه الولد ، فقال النفر من الجن : علا ملك ربنا وسلطانه وقدرته وعظمته أن يكون ضعيفا ضعف خلقه الذين تضطرهم الشهوة إلى اتخاذ صاحبة ، أو وقاع شيء يكون منه ولد .

وقد بين عن صحة ما قلنا في ذلك إخبار الله عنهم أنهم إنما نزهوا الله عن اتخاذ الصاحبة والولد بقوله : ( { وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا } ) يقال منه : رجل جدي وجديد ومجدود ، أي ذو حظ فيما هو فيه ، ومنه قول حاتم الطائي : اغزوا بني ثعل فالغزو جدكم عدوا الروابي ولا تبكوا لمن قتلا

وقال آخر : يرفع جدك إني امرؤ سقتني إليك الأعادي سجالا

وقوله : ( { ما اتخذ صاحبة } ) يعني زوجة ( { ولا ولدا } ) .

واختلفت القراء في قراءة قوله : ( { وأنه تعالى } ) فقرأه أبو جعفر القارئ وستة أحرف أخر بالفتح ، منها : ( { أنه استمع نفر } ) ( { وأن المساجد لله } ) ( { وأنه كان يقول سفيهنا } ) ( { وأنه كان رجال من الإنس } ) ( { وأنه لما قام عبد الله يدعوه } ) ( { وأن لو استقاموا على الطريقة } ) وكان نافع يكسرها إلا ثلاثة أحرف : أحدها : ( { قل أوحي إلي أنه استمع نفر } ) والثانية ( { وأن لو استقاموا } ) والثالثة ( { وأن المساجد لله } ) . وأما قراء الكوفة غير عاصم ، فإنهم يفتحون جميع ما في آخر سورة النجم وأول سورة الجن إلا قوله : ( { فقالوا إنا سمعنا } ) وقوله : ( { قل إنما أدعو ربي } ) وما بعده إلى آخر السورة ، وأنهم يكسرون ذلك غير قوله : ( { ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم } ) . وأما عاصم فإنه كان يكسر جميعها إلا قوله : ( { وأن المساجد لله } ) فإنه كان يفتحها ، وأما أبو عمرو ، فإنه كان يكسر جميعها إلا قوله : ( { وأن لو استقاموا على الطريقة } ) فإنه كان يفتح هذه وما بعدها; فأما الذين فتحوا جميعها إلا في موضع القول ، كقوله : ( { فقالوا إنا سمعنا } ) وقوله : ( { قل إنما أدعو ربي } ) ونحو ذلك ، فإنهم عطفوا "أن" في كل السورة على قوله : ( { فآمنا به } ) وآمنا بكل ذلك ، ففتحوها بوقوع الإيمان عليها . وكان الفراء يقول : لا يمنعنك أن تجد الإيمان يقبح في بعض ذلك من الفتح ، وأن الذي يقبح مع ظهور الإيمان قد يحسن فيه فعل مضارع للإيمان ، فوجب فتح "أن" كما قالت العرب : إذا ما الغانيات برزن يوما وزججن الحواجب والعيونا

فنصب العيون لاتباعها الحواجب ، وهي لا تزجج ، وإنما تكحل ، فأضمر لها الكحل ، كذلك يضمر في الموضع الذي لا يحسن فيه "آمنا" : صدقنا وآمنا وشهدنا . قال : وبقول النصب قوله : ( { وأن لو استقاموا على الطريقة } ) فينبغي لمن كسر أن يحذف "أن" من "لو" ; لأن "أن" إذا خففت لم تكن حكاية . ألا ترى أنك تقول : أقول لو فعلت لفعلت ، ولا تدخل "أن" . وأما الذين كسروها كلهم وهم في ذلك يقولون : ( { وأن لو استقاموا } ) فكأنهم أضمروا يمينا مع "لو" وقطعوها عن النسق على أول الكلام ، فقالوا : والله أن لو استقاموا; قال : والعرب تدخل "أن" في هذا الموضع مع اليمين وتحذفها ، قال الشاعر : فأقسم لو شيء أتانا رسوله سواك ولكن لم نجد لك مدفعا

قالوا : وأنشدنا آخر : أما والله أن لو كنت حرا وما بالحر أنت ولا العتيق

وأدخل "أن" من كسرها كلها ، ونصب ( { وأن المساجد لله } ) فإنه خص ، ذلك بالوحي ، وجعل ( { وأن لو } ) مضمرة فيها اليمين على ما وصفت . وأما نافع فإن ما فتح من ذلك فإنه رده على قوله : ( { أوحي إلي } ) وما كسره فإنه جعله من قول الجن ، وأحب ذلك إلي أن أقرأ به الفتح فيما كان وحيا ، والكسر فيما كان من قول الجن; لأن ذلك أفصحها في العربية ، وأبينها في المعنى ، وإن كان للقراءات الأخر وجوه غير مدفوعة صحتها .
الكتاب تفسير الطبري , الجزء 23-23 , الصفحة 644 - 653
counter free hit invisible