<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

وأخرج ابن الضريس ، والنحاس ، وابن مردويه ، والبيهقي عن ابن عباس قال : نزلت سورة المدثر بمكة .

وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله ، وسيأتي أن أول هذه السورة أول ما نزل من القرآن .

بسم الله الرحمن الرحيم { يا أيها المدثر } { قم فأنذر } { وربك فكبر } { وثيابك فطهر } { والرجز فاهجر } { ولا تمنن تستكثر } { ولربك فاصبر } { فإذا نقر في الناقور } { فذلك يومئذ يوم عسير } { على الكافرين غير يسير } { ذرني ومن خلقت وحيدا } { وجعلت له مالا ممدودا } { وبنين شهودا } { ومهدت له تمهيدا } { ثم يطمع أن أزيد } { كلا إنه كان لآياتنا عنيدا } { سأرهقه صعودا } { إنه فكر وقدر } { فقتل كيف قدر } { ثم قتل كيف قدر } { ثم نظر } { ثم عبس وبسر } { ثم أدبر واستكبر } { فقال إن هذا إلا سحر يؤثر } { إن هذا إلا قول البشر } { سأصليه سقر } { وما أدراك ما سقر } { لا تبقي ولا تذر } { لواحة للبشر } { عليها تسعة عشر }

قال الواحدي : قال المفسرون : لما بدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوحي أتاه جبريل ، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم على سرير بين السماء والأرض كالنور المتلألئ ، ففزع ووقع مغشيا عليه ، فلما أفاق دخل على خديجة ودعا بماء فصبه عليه ، وقال : دثروني دثروني ، فدثروه بقطيفة ، فقال : { ياأيها المدثر } { قم فأنذر } .

ومعنى { ياأيها المدثر } : يا أيها الذي قد تدثر بثيابه : أي تغشى بها ، وأصله المتدثر ، فأدغمت التاء في الدال لتجانسهما .

وقد قرأ الجمهور بالإدغام ، وقرأ أبي " المتدثر " على الأصل ، والدثار : هو ما يلبس فوق الشعار ، والشعار : هو الذي يلي الجسد ، وقال عكرمة : المعنى يا أيها المدثر بالنبوة وأثقالها .

قال ابن العربي : وهذا مجاز بعيد لأنه لم يكن نبيا إذ ذاك .

{ قم فأنذر } أي انهض فخوف أهل مكة وحذرهم العذاب إن لم يسلموا ، أو قم من مضجعك ، أو قم قيام عزم وتصميم ، وقيل الإنذار هنا هو إعلامهم بنبوته ، وقيل إعلامهم بالتوحيد .

وقال الفراء : المعنى قم فصل وأمر بالصلاة .

{ وربك فكبر } أي واختص سيدك ومالكك ومصلح أمورك بالتكبير ، وهو وصفه سبحانه بالكبرياء والعظمة ، وأنه أكبر من أن يكون له شريك كما يعتقده الكفار ، وأعظم من أن يكون له صاحبة ، أو ولد .

قال ابن العربي : المراد به تكبير التقديس والتنزيه بخلع الأضداد والأنداد والأصنام ولا يتخذ وليا غيره ولا يعبد سواه ، ولا يرى لغيره فعلا إلا له ولا نعمة إلا منه .

قال الزجاج : إن الفاء في { فكبر } دخلت على معنى الجزاء كما دخلت في { فأنذر } .

وقال ابن جني : هو كقولك : زيدا فاضرب : أي زيدا اضرب ، فالفاء زائدة .

{ وثيابك فطهر } المراد بها الثياب الملبوسة على ما هو المعنى اللغوي ، أمره الله سبحانه بتطهير ثيابه وحفظها عن النجاسات ، وإزالة ما وقع فيها منها ، وقيل المراد بالثياب العمل ، وقيل القلب ، وقيل النفس ، وقيل الجسم ، وقيل الأهل ، وقيل الدين ، وقيل الأخلاق . قال مجاهد ، وابن زيد ، وأبو رزين : أي عملك فأصلح . وقال قتادة : نفسك فطهر من الذنب ، والثياب عبارة عن النفس . وقال سعيد بن جبير : قلبك فطهر ، ومن هذا قول امرئ القيس : فسلي ثيابي من ثيابك تنسل وقال عكرمة : المعنى البسها على غير غدر وغير فجرة .

وقال : أما سمعت قول الشاعر : وإني بحمد الله لا ثوب فاجر لبست ولا من غدرة أتقنع والشاعر هو غيلان بن سلمة الثقفي ، ومن إطلاق الثياب على النفس قول عنترة : فشككت بالرمح الطويل ثيابه ليس الكريم على القنا بمحرم وقول الآخر : ثياب بني عوف طهارى نقية وقال الحسن ، والقرظي : إن المعنى : وأخلاقك فطهر لأن خلق الإنسان مشتمل على أحواله اشتمال ثيابه على نفسه ، ومنه قول الشاعر : ويحيى لا يلام بسوء خلق ويحيى طاهر الأثواب حر وقال الزجاج : المعنى : وثيابك فقصر ؛ لأن تقصير الثوب أبعد من النجاسات إذا انجر على الأرض ، وبه قال طاوس ، والأول أولى لأنه المعنى الحقيقي .

وليس في استعمال الثياب مجاز عن غيرها لعلاقة مع قرينة ما يدل على أنه المراد عند الإطلاق ، وليس في مثل هذا الأصل : أعني الحمل على الحقيقة عند الإطلاق خلاف . وفي الآية دليل على وجوب طهارة الثياب في الصلاة .

{ والرجز فاهجر } الرجز معناه في اللغة : العذاب ، وفيه لغتان : كسر الراء وضمها ، وسمي الشرك وعبادة الأوثان رجزا لأنها سبب الرجز .

قرأ الجمهور الرجز بكسر الراء .

وقرأ الحسن ، ومجاهد ، وعكرمة ، وحفص ، وابن محيصن بضمها . وقال مجاهد ، وعكرمة : الرجز : الأوثان كما في قوله : { فاجتنبوا الرجس من الأوثان } [ الحج : 30 ] وبه قال ابن زيد . وقال إبراهيم النخعي : الرجز : المأثم ، والهجر : الترك . وقال قتادة : الرجز : إساف ونائلة ، وهما صنمان كانا عند البيت . وقال أبو العالية ، والربيع ، والكسائي : الرجز بالضم الوثن وبالكسر العذاب . وقال السدي : الرجز بضم الراء الوعيد ، والأول أولى .

{ ولا تمنن تستكثر } قرأ الجمهور لا تمنن بفك الإدغام ، وقرأ الحسن ، وأبو اليمان ، والأشهب العقيلي بالإدغام ، وقرأ الجمهور { تستكثر } بالرفع على أنه حال : أي ولا تمنن حال كونك مستكثرا ، وقيل على حذف ( أن ) ، والأصل ولا تمنن أن تستكثر ، فلما حذفت رفع .

قال الكسائي : فإذا حذفت " أن " رفع الفعل .

وقرأ يحيى بن وثاب ، والأعمش تستكثر بزيادة ( أن ) .

وقرأ الحسن أيضا وابن أبي عبلة " تستكثر " بالجزم على أنه بدل من تمنن كما في قوله : { يلق أثاما } { يضاعف له } [ الفرقان : 68 ] وقول الشاعر : متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا تجد حطبا جزلا ونارا تأججا أو الجزم لإجراء الوصل مجرى الوقف : كما في قول امرئ القيس : فاليوم أشرب غير مستحقب إثما من الله ولا واغل بتسكين " أشرب " .

وقد اعترض على هذه القراءة ؛ لأن قوله ( تستكثر ) لا يصح أن يكون بدلا من ( تمنن ) ؛ لأن المن غير الاستكثار ، ولا يصح أن يكون جوابا للنهي .

واختلف السلف في معنى الآية ، فقيل : المعنى : لا تمنن على ربك بما تتحمله من أعباء النبوة كالذي يستكثر ما يتحمله بسبب الغير ، وقيل لا تعط عطية تلتمس فيها أفضل منها قاله عكرمة ، وقتادة . قال الضحاك : هذا حرمه الله على رسوله ؛ لأنه مأمور بأشرف الآداب وأجل الأخلاق ، وأباحه لأمته . وقال مجاهد : لا تضعف أن تستكثر من الخير ، من قولك حبل متين : إذا كان ضعيفا . وقال الربيع بن أنس : لا تعظم عملك في عينك أن تستكثر من الخير . وقال ابن كيسان : لا تستكثر عملا فتراه من نفسك ، إنما عملك منة من الله عليك إذ جعل لك سبيلا إلى عبادته .

وقيل لا تمنن بالنبوة والقرآن على الناس فتأخذ منهم أجرا تستكثره . وقال محمد بن كعب : لا تعط مالك مصانعة . وقال زيد بن أسلم : إذا أعطيت عطية فأعطها لربك .

{ ولربك فاصبر } أي لوجه ربك فاصبر على طاعته وفرائضه ، والمعنى : لأجل ربك وثوابه . وقال مقاتل ، ومجاهد : اصبر على الأذى والتكذيب .

وقال ابن زيد : حملت أمرا عظيما فحاربتك العرب والعجم فاصبر عليه لله .

وقيل اصبر تحت موارد القضاء لله ، وقيل فاصبر على البلوى ، وقيل على الأوامر والنواهي .

{ فإذا نقر في الناقور } الناقور فاعول من النقر كأنه من شأنه أن ينقر فيه للتصويت ، والنقر في كلام العرب الصوت ، ومنه قول امرئ القيس : أخفضه بالنقر لما علوته ويقولون : نقر باسم الرجل : إذا دعاه ، والمراد هنا النفخ في الصور ، والمراد النفخة الثانية ، وقيل الأولى ، وقد تقدم الكلام في هذا في سورة الأنعام وسورة النحل . والفاء للسببية ، كأنه قيل : اصبر على أذاهم ، فبين أيديهم يوم هائل يلقون فيه عاقبة أمرهم .

والعامل في إذا ما دل عليه قوله : { فذلك يومئذ يوم عسير } { على الكافرين } فإن معناه عسر الأمر عليهم ، وقيل العامل فيه ما دل عليه فذلك لأنه إشارة إلى النقر ، ويومئذ بدل من إذا ، أو مبتدأ وخبره { يوم عسير } والجملة خبر فذلك وقيل هو ظرف للخبر ؛ لأن التقدير وقوع يوم عسير .

وقوله : { غير يسير } تأكيد لعسره عليهم لأن كونه غير يسير ، قد فهم من قوله { يوم عسير } .

{ ذرني ومن خلقت وحيدا } أي دعني ، وهي كلمة تهديد ووعيد ، والمعنى : دعني والذي خلقته حال كونه وحيدا في بطن أمه لا مال له ولا ولد ، هذا على أن { وحيدا } منتصب على الحال من الموصول أو من الضمير العائد إليه المحذوف ، ويجوز أن يكون حالا من الياء في ذرني أي : دعني وحدي معه ، فإني أكفيك في الانتقام منه ، والأول أولى .

قال المفسرون : وهو الوليد بن المغيرة . قال مقاتل : يقول خل بيني وبينه فأنا أنفرد بهلكته ، وإنما خص بالذكر لمزيد كفره وعظيم جحوده لنعم الله عليه ، وقيل أراد بالوحيد الذي لا يعرف أبوه ، وكان يقال في الوليد بن المغيرة أنه دعي .

{ وجعلت له مالا ممدودا } أي كثيرا ، أو يمد بالزيادة والنماء شيئا بعد شيء . قال الزجاج : مالا غير منقطع عنه ، وقد كان الوليد بن المغيرة مشهورا بكثرة المال على اختلاف أنواعه ، قيل كان يحصل له من غلة أمواله ألف ألف دينار ، وقيل أربعة آلاف دينار ، وقيل ألف دينار .

{ وبنين شهودا } أي وجعلت له بنين حضورا بمكة معه لا يسافرون ولا يحتاجون إلى التفرق في طلب الرزق لكثرة مال أبيهم . قال الضحاك : كانوا سبعة ولدوا بمكة ، وخمسة ولدوا بالطائف . وقال سعيد بن جبير : كانوا ثلاثة عشر ولدا . وقال مقاتل : كانوا سبعة كلهم رجال ، أسلم منهم ثلاثة خالد وهشام والوليد بن الوليد ، فما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك .

وقيل معنى شهودا أنه إذا ذكر ذكروا معه ، وقيل كانوا يشهدون معه ما كان يشهده ويقومون بما كان يباشره .

{ ومهدت له تمهيدا } أي بسطت له في العيش وطول العمر والرياسة في قريش ، والتمهيد عند العرب التوطئة ، ومنه مهد الصبي . وقال مجاهد : إنه المال بعضه فوق بعض كما يمهد الفراش .

{ ثم يطمع أن أزيد } أي يطمع بعد هذا كله في الزيادة لكثرة حرصه وشدة طمعه مع كفرانه للنعم وإشراكه بالله . قال الحسن : ثم يطمع أن أدخله الجنة ، وكان يقول : إن كان محمد صادقا فما خلقت الجنة إلا لي .

ثم ردعه الله سبحانه وزجره فقال : كلا أي لست أزيده .

ثم علل ذلك بقوله : { إنه كان لآياتنا عنيدا } أي معاندا لها كافرا بما أنزلناه منها على رسولنا ، يقال : عند يعند بالكسر : إذا خالف الحق ورده ، وهو يعرفه فهو عنيد وعاند ، والعاند الذي يجور عن الطريق ويعدل عن القصد ، ومنه قول الحارثي : إذا ركبت فاجعلاني وسطا إني كبير لا أطيق العندا قال أبو صالح : عنيدا معناه مباعدا . وقال قتادة : جاحدا . وقال مقاتل : معرضا .

{ سأرهقه صعودا } أي سأكلفه مشقة من العذاب وهو مثل لما يلقاه من العذاب الصعب الذي لا يطاق ، وقيل المعنى : إنه يكلف أنه يصعد جبلا من نار ، والإرهاق في كلام العرب : أن يحمل الإنسان الشيء الثقيل .

وجملة { إنه فكر وقدر } تعليل لما تقدم من الوعيد : أي إنه فكر في شأن النبي صلى الله عليه وسلم ، وما أنزل عليه من القرآن وقدر في نفسه : أي هيأ الكلام في نفسه ، والعرب تقول : هيأت الشيء إذا قدرته ، وقدرت الشيء إذا هيأته ؛ وذلك أنه لما سمع القرآن لم يزل يفكر ماذا يقول فيه وقدر في نفسه ما يقول .

فذمه الله وقال : { فقتل كيف قدر } أي لعن وعذب كيف قدر : أي على أي حال قدر ما قدر من الكلام كما يقال في الكلام : لأضربنه كيف صنع : أي على أي حال كانت منه ، وقيل المعنى : قهر وغلب كيف قدر ، ومنه قول الشاعر : وما ذرفت عيناك إلا لتضربي بسهميك في أعشار قلب مقتل وقال الزهري : عذب ، وهو من باب الدعاء عليه .

والتكرير في قوله : { ثم قتل كيف قدر } للمبالغة والتأكيد .

{ ثم نظر } أي بأي شيء يدفع القرآن ويقدح فيه ، أو فكر في القرآن وتدبر ما هو .

{ ثم عبس } أي قطب وجهه لما لم يجد مطعنا يطعن به في القرآن ، والعبس مصدر عبس مخففا يعبس عبسا وعبوسا إذا قطب ، وقيل عبس في وجوه المؤمنين ، وقيل عبس في وجه النبي صلى الله عليه وسلم { وبسر } أي كلح وجهه وتغير ، ومنه قول الشاعر : صبحنا تميما غداة الحفار بشهباء ملموسة باسره وقول الآخر : وقد رابني منها صدود رأيته وإعراضها عن حاجتي وبسورها وقيل إن ظهور العبوس في الوجه يكون بعد المحاورة ، وظهور البسور في الوجه قبلها ، والعرب تقول : وجه باسر : إذا تغير واسود .

وقال الراغب : البسر : استعجال الشر قبل أوانه نحو بسر الرجل حاجته : أي طلبها في غير أوانها .

قال : ومنه قوله : { عبس وبسر } أي أظهر العبوس قبل أوانه وقبل وقته ، وأهل اليمن يقولون : بسر المركب وأبسر : أي وقف لا يتقدم ولا يتأخر ، وقد أبسرنا : أي صرنا إلى البسور .

{ ثم أدبر واستكبر } أي أعرض عن الحق ، وذهب إلى أهله ، وتعظم عن أن يؤمن .

{ فقال إن هذا إلا سحر يؤثر } أي يأثره عن غيره ويريه عنه .

والسحر : إظهار الباطل في صورة الحق ، أو الخديعة على ما تقدم بيانه في سورة البقرة ، يقال أثرت الحديث بأثره : إذا ذكرته عن غيرك ، ومنه قول الأعشى : إن الذي فيه تحاربتما بين للسامع والأثر { إن هذا إلا قول البشر } يعني أنه كلام الإنس ، وليس بكلام الله ، وهو تأكيد لما قبله ، وسيأتي أن الوليد بن المغيرة إنما قال هذا القول إرضاء لقومه بعد اعترافه أن له حلاوة ، وأن عليه طلاوة إلى آخر كلامه .

ولما قال هذا القول الذي حكاه الله عنه قال الله عز وجل : { سأصليه سقر } أي سأدخله النار ، وسقر من أسماء النار ، ومن دركات جهنم ، وقيل إن هذه الجملة بدل من قوله { سأرهقه صعودا } .

ثم بالغ سبحانه في وصف النار وشدة أمرها فقال : { وما أدراك ما سقر } أي وما أعلمك أي شيء هي ، والعرب تقول : وما أدراك ما كذا : إذا أرادوا المبالغة في أمره وتعظيم شأنه وتهويل خطبه ، و " ما " الأولى مبتدأ ، وجملة { ما سقر } خبر المبتدأ .

ثم فسر حالها فقال : { لا تبقي ولا تذر } والجملة مستأنفة لبيان حال سقر ، والكشف عن وصفها ، وقيل هي في محل نصب على الحال ، والعامل فيها معنى التعظيم ؛ لأن قوله : { وما أدراك ما سقر } يدل على التعظيم ، فكأنه قال : استعظموا سقر في هذه الحال ، والأول أولى ، ومفعول الفعلين محذوف . قال السدي : لا تبقي لهم لحما ولا تذر لهم عظما . وقال عطاء : لا تبقي من فيها حيا ولا تذره ميتا ، وقيل هما لفظان بمعنى واحد ، كررا للتأكيد كقولك : صد عني ، وأعرض عني .

{ لواحة للبشر } قرأ الجمهور { لواحة } بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، وقيل على أنه نعت لسقر ، والأول أولى .

وقرأ الحسن ، وعطية العوفي ، ونصر بن عاصم ، وعيسى بن عمر ، وابن أبي عبلة ، وزيد بن علي بالنصب على الحال أو الاختصاص للتهويل ، يقال : لاح يلوح : أي ظهر ، والمعنى : أنها تظهر للبشر . قال الحسن : تلوح لهم جهنم حتى يرونها عيانا كقوله : { وبرزت الجحيم لمن يرى } [ النازعات : 36 ] وقيل معنى { لواحة للبشر } أي مغيرة لهم ومسودة . قال مجاهد : والعرب تقول : لاحه الحر والبرد والسقم والحزن : إذا غيره ، وهذا أرجح من الأول ، وإليه ذهب جمهور المفسرين ، ومنه قول الشاعر : وتعجب هند أن رأتني شاحبا تقول لشيء لوحته السمايم أي غيرته ، ومنه قول رؤبة بن العجاج : لوح منه بعد بدن وشبق تلويحك الضامر يطوى للسبق وقال الأخفش : المعنى أنها معطشة للبشر ، وأنشد : سقتني على لوح من الماء شربة سقاها به الله الرهام الغواديا والمراد بـ البشر إما جلدة الإنسان الظاهرة كما قاله الأكثر ، أو المراد به أهل النار من الإنس كما قال الأخفش .

{ عليها تسعة عشر } قال المفسرون : يقول على النار تسعة عشر من الملائكة هم خزنتها ، وقيل تسعة عشر صنفا من أصناف الملائكة ، وقيل تسعة عشر صفا من صفوفهم ، وقيل تسعة عشر نقيبا مع كل نقيب جماعة من الملائكة ، والأول أولى .

قال الثعلبي : ولا ينكر هذا ؛ فإذا كان ملك واحد يقبض أرواح جميع الخلائق كان أحرى أن يكونوا تسعة عشر على عذاب بعض الخلق .

قرأ الجمهور { تسعة عشر } بفتح الشين من ( عشر ) .

وقرأ أبو جعفر بن القعقاع ، وطلحة بن سليمان بإسكانها .

وقد أخرج البخاري ، ومسلم وغيرهما عن جابر بن عبد الله أن أبا سلمة بن عبد الرحمن قال : إن أول ما نزل من القرآن { ياأيها المدثر } فقال له يحيى بن أبي كثير : يقولون إن أول ما نزل { اقرأ باسم ربك الذي خلق } [ أي سورة العلق ] فقال أبو سلمة : سألت جابر بن عبد الله عن ذلك ، قلت له مثل ما قلت ، فقال جابر : لا أحدثنك إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( جاورت بحراء فلما قضيت جواري هبطت ، فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئا ، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا ، ونظرت خلفي فلم أر شيئا ، فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض ، فحثيت منه رعبا ، فرجعت فقلت دثروني فدثروني ، فنزلت { ياأيها المدثر } { قم فأنذر } إلى قوله : { والرجز فاهجر } ) وسيأتي في سورة " اقرأ " ما يدل على أنها أول سورة أنزلت ، والجمع ممكن .

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس { ياأيها المدثر } فقال : دثر هذا الأمر ، فقم به .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه عنه { ياأيها المدثر } قال : النائم { وثيابك فطهر } قال : لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب باطل { والرجز فاهجر } قال : الأصنام { ولا تمنن تستكثر } قال : لا تعط تلتمس بها أفضل منها .

وأخرج الفريابي ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والحاكم وصححه عنه أيضا { وثيابك فطهر } قال : من الإثم .

قال : وهي في كلام العرب نقي الثياب .

وأخرج ابن مردويه عنه أيضا { وثيابك فطهر } قال : من الغدر ، لا تكن غدارا .

وأخرج سعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن الأنباري ، وابن مردويه عن عكرمة عنه أيضا أنه سئل عن قوله : { وثيابك فطهر } قال : لا تلبسها على غدرة ، ثم قال : ألا تسمعون قول غيلان بن سلمة : وإني بحمد الله لا ثوب فاجر لبست ولا من غدرة أتقنع وأخرج الطبراني ، والبيهقي في سننه عنه أيضا { ولا تمنن تستكثر } قال : لا تعط الرجل عطاء رجاء أن يعطيك أكثر منه .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن مردويه عنه أيضا { فإذا نقر في الناقور } قال : الصور { يوم عسير } قال : شديد .

وأخرج ابن مردويه عنه أيضا { ذرني ومن خلقت وحيدا } قال الوليد بن المغيرة .

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عنه أيضا : ( أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن ، فكأنه رق له ، فبلغ ذلك أبا جهل ، فأتاه فقال : يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا ليعطوكه ، فإنك أتيت محمدا لتعرض لما قبله ، قال : قد علمت قريش أني من أكثرها مالا ، قال : فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له ، وأنك كاره له ، قال : وماذا أقول ؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني لا برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن ، والله ما يشبه هذا الذي يقول شيئا من هذا ، ووالله إن لقوله الذي يقول لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة وإنه لمثمر أعلاه ، مغدق أسفله ، وإنه ليعلو وما يعلى ، وإنه ليحطم ما تحته . قال : والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه ، قال : فدعني حتى أفكر ، فلما فكر قال : هذا سحر يؤثر ، يأثره عن غيره ، فنزلت { ذرني ومن خلقت وحيدا } ) .

وأخرج هذا عبد الرزاق عن عكرمة مرسلا ، وكذا أخرجه ابن جرير ، وابن إسحاق ، وابن المنذر وغير واحد .

وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه عن عمر بن الخطاب أنه سئل عن قوله : { وجعلت له مالا ممدودا } قال : غلة شهر بشهر .

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس { وجعلت له مالا ممدودا } قال : ألف دينار .

وأخرج هناد عن أبي سعيد الخدري في قوله : { سأرهقه صعودا } قال : هو جبل في النار يكلفون أن يصعدوا فيه ، فكلما وضعوا أيديهم عليه ذابت ، فإذا رفعوها عادت كما كانت .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر عن ابن عباس { عنيدا } قال : جحودا .

وأخرج أحمد ، والترمذي ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن حبان ، والحاكم وصححه وابن مردويه ، والبيهقي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الصعود جبل في النار يصعد فيه الكافر سبعين خريفا ، ثم يهوي وهو كذلك فيه أبدا ) .

قال الترمذي بعد إخراجه : غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة عن دراج .

قال ابن كثير : وفيه غرابة ونكارة . انتهى ، وقد أخرجه جماعة من قول أبي سعيد ، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : { صعودا } صخرة في جهنم يسحب عليها الكافر على وجهه .

وأخرج ابن المنذر عنه قال : جبل في النار .

وأخرج ابن المنذر عنه أيضا في قوله : { لا تبقي ولا تذر } قال : لا تبقي منهم شيئا ، وإذا بدلوا خلقا آخر لم تذر أن تعاودهم سبيل العذاب الأول .

وأخرج عبد بن حميد عنه أيضا { لواحة للبشر } قال : تلوح الجلد فتحرقه وتغير لونه ، فيصير أسود من الليل .

وأخرج ابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه أيضا { لواحة } قال : محرقة .

وأخرج ابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، والبيهقي في البعث عن البراء : أن رهطا من اليهود سألوا بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن خزنة جهنم ، فقال : الله ورسوله أعلم ، فجاء جبريل ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم ، فنزلت عليه ساعتئذ { عليها تسعة عشر } .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1551 - 1553
counter free hit invisible