<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

قال الجمهور : هي مدنية .

وقال مقاتل ، والكلبي : هي مكية .

وأخرج النحاس عن ابن عباس أنها نزلت بمكة .

وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله ، وقيل فيها مكي من قوله : { إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا } إلى آخر السورة ، وما قبله مدني .

وأخرج الطبراني ، وابن مردويه ، وابن عساكر عن ابن عمر قال : ( جاء رجل من الحبشة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : سل واستفهم ، فقال : يا رسول الله فضلتم علينا بالألوان والصور والنبوة أفرأيت إن آمنت بما آمنت به وعملت بما عملت به ، أني كائن معك في الجنة ، قال : نعم والذي نفسي بيده إنه ليرى بياض الأسود في الجنة من مسيرة ألف عام ، ثم قال : من قال لا إله إلا الله كان له عهد عند الله ، ومن قال : سبحان الله وبحمده كتب له مائة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة ، ونزلت هذه السورة { هل أتى على الإنسان حين من الدهر } إلى قوله : { وملكا كبيرا } فقال الحبشي : وإن عيني لترى ما ترى عيناك في الجنة ، قال : نعم ، فاشتكى حتى فاضت نفسه . قال ابن عمر : فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدليه في حفرته بيده ) .

وأخرج أحمد في الزهد عن محمد بن مطرف قال : حدثني الثقة ( أن رجلا أسود كان يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التسبيح والتهليل ، فقال له عمر بن الخطاب : أكثرت على رسول الله ، فقال : مه يا عمر . وأنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم { هل أتى على الإنسان حين من الدهر } حتى إذا أتى على ذكر الجنة زفر الأسود زفرة خرجت نفسه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : مات شوقا إلى الجنة ) .

وأخرج نحوه ابن وهب عن ابن زيد مرفوعا مرسلا .

وأخرج أحمد ، والترمذي وحسنه وابن ماجه ، وابن منيع ، وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه والضياء عن أبي ذر قال : ( قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { هل أتى على الإنسان } حتى ختمها ، ثم قال : إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون ، أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله ، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ، وما تلذذتم بالنساء على الفرش ، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله عز وجل ) .

بسم الله الرحمن الرحيم { هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا } { إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا } { إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا } { إنا أعتدنا للكافرين سلاسلا وأغلالا وسعيرا } { إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا } { عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا } { يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا } { ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا } { إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا } { إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا } { فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا } { وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا }

حكى الواحدي عن المفسرين وأهل المعاني أن هل هنا بمعنى قد ، وليس باستفهام ، وقد قال بهذا سيبويه ، والكسائي ، والفراء ، وأبو عبيدة .

قال الفراء : " هل " تكون جحدا وتكون خبرا فهذا من الخبر لأنك تقول : هل أعطيتك ، تقرره بأنك أعطيته ، والجحد أن تقول : هل يقدر أحد على مثل هذا ، وقيل هي وإن كانت بمعنى " قد " ففيها معنى الاستفهام . والأصل أهل أتى ، فالمعنى : أقد أتى ، والاستفهام للتقرير والتقريب ، والمراد بالإنسان هنا آدم ، قال قتادة ، والثوري ، وعكرمة ، والسدي وغيرهم { حين من الدهر } قيل أربعون سنة قبل أن ينفخ فيه الروح ، وقيل إنه خلق من طين أربعين سنة ، ثم من حمأ مسنون أربعين سنة ، ثم من صلصال أربعين سنة فتم خلقه بعد مائة وعشرين سنة .

وقيل الحين المذكور هنا لا يعرف مقداره وقيل المراد بالإنسان بنو آدم ، والحين مدة الحمل ، وجملة { لم يكن شيئا مذكورا } في محل نصب على الحال من الإنسان ، أو في محل رفع صفة لحين .

قال الفراء ، وقطرب ، وثعلب : المعنى أنه كان جسدا مصورا ترابا وطينا لا يذكر ولا يعرف ولا يدرى ما اسمه ولا ما يراد به ، ثم نفخ فيه الروح فصار مذكورا .

وقال يحيى بن سلام : { لم يكن شيئا مذكورا } في الخلق وإن كان عند الله شيئا مذكورا ، وقيل ليس المراد بالذكر هنا الإخبار ، فإن إخبار الرب عن الكائنات قديم ، بل هو الذكر بمعنى الخطر والشرف ، كما في قوله : { وإنه لذكر لك ولقومك } .

قال القشيري : ما كان مذكورا للخلق وإن كان مذكورا لله سبحانه .

قال الفراء : كان شيئا ولم يكن مذكورا .

فجعل النفي متوجها إلى القيد .

وقيل المعنى : قد مضت أزمنة وما كان آدم شيئا ولا مخلوقا ولا مذكورا لأحد من الخليقة . وقال مقاتل : في الكلام تقديم وتأخير وتقديره : هل أتى حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ؛ لأنه خلقه بعد خلق الحيوان كله ولم يخلق بعده حيوانا .

{ إنا خلقنا الإنسان من نطفة } المراد بالإنسان هنا ابن آدم .

قال القرطبي : من غير خلاف ، والنطفة : الماء الذي يقطر ، وهو المني وكل ماء قليل في وعاء فهو نطفة ، وجمعها نطف ، و أمشاج صفة لنطفة ، وهي جمع مشج ، أو مشيج ، وهي الأخلاط ، والمراد نطفة الرجل ونطفة المرأة واختلاطهما .

يقال مشج هذا بهذا فهو ممشوج : أي خلط هذا بهذا فهو مخلوط .

قال المبرد : مشج يمشج : إذا اختلط ، وهو هنا اختلاط النطفة بالدم .

قال رؤبة بن العجاج : يطرحن كل معجل مشاج لم يكس جلدا من دم أمشاج قال الفراء : أمشاج : اختلاط ماء الرجل وماء المرأة والدم والعلقة ، ويقال مشج هذا : إذا خلط ، وقيل الأمشاج : الحمرة في البياض والبياض في الحمرة .

قال القرطبي : وهذا قول يختاره كثير من أهل اللغة .

قال الهذلي : كأن الريش والوقين منه حلاف النصل نيط به مشيج وذلك لأن ماء الرجل أبيض غليظ وماء المرأة أصفر رقيق فيخلق منهما الولد .

قال ابن السكيت : الأمشاج : الأخلاط لأنها ممتزجة من أنواع يخلق الإنسان منها وطباع مختلفة .

وقيل الأمشاج لفظ مفرد كبرمة أعشار ، ويؤيد هذا وقوعه نعتا لنطفة ، وجملة نبتليه في محل نصب على الحال من فاعل خلقنا : أي مريدين ابتلاءه ، ويجوز أن يكون حالا من الإنسان ، والمعنى : نبتليه بالخير والشر وبالتكاليف .

قال الفراء : معناه والله أعلم { فجعلناه سميعا بصيرا } نبتليه وهي مقدمة معناها التأخير ؛ لأن الابتلاء لا يقع إلا بعد تمام الخلقة ، وعلى هذا تكون هذه الحال مقدرة ، وقيل مقارنة .

وقيل معنى الابتلاء : نقله من حال إلى حال على طريقة الاستعارة ، والأول أولى .

ثم ذكر سبحانه أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء فقال : { إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا } أي بينا له وعرفناه طريق الهدى والضلال والخير والشر كما في قوله : { وهديناه النجدين } [ البلد : 10 ] قال مجاهد : أي بينا السبيل إلى الشقاء والسعادة . وقال الضحاك ، والسدي ، وأبو صالح : السبيل هنا خروجه من الرحم ، وقيل منافعه ومضاره التي يهتدي إليها بطبعه وكمال عقله . وانتصاب شاكرا وكفورا على الحال من مفعول هديناه : أي مكناه من سلوك الطريق في حالتيه جميعا ، وقيل على الحال من ( سبيل ) على المجاز : أي عرفناه السبيل إما سبيلا شاكرا وإما سبيلا كفورا .

وحكى مكي عن الكوفيين أن قوله إما هي ( إن ) شرطية زيدت بعدها ما : أي بينا له الطريق إن شكر وإن كفر .

واختار هذا الفراء ، ولا يجيزه البصريون لأن إن الشرطية لا تدخل على الأسماء إلا أن يضمر بعدها فعل ، ولا يصح هنا إضمار الفعل لأنه كان يلزم رفع شاكرا وكفورا .

ويمكن أن يضمر فعل ينصب ( شاكرا ) و ( كفورا ) ، وتقديره : إن خلقناه شاكرا فشكور وإن خلقناه كافرا فكفور ، وهذا على قراءة الجمهور { إما شاكرا وإما كفورا } بكسر همزة إما .

وقرأ أبو السماك ، وأبو العجاج بفتحها ، وهي على الفتح إما العاطفة في لغة بعض العرب ، أو هي التفصيلية وجوابها مقدر ، وقيل انتصب ( شاكرا ) و ( كفورا ) بإضمار كان ، والتقدير : سواء كان شاكرا أو كان كفورا .

ثم بين سبحانه ما أعد للكافرين فقال : { إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا } قرأ نافع ، والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم ، وهشام عن ابن عمر " سلاسلا " بالتنوين ، ووقف قنبل عن ابن كثير ، وحمزة بغير ألف ، والباقون وقفوا بالألف .

ووجه من قرأ بالتنوين في " سلاسل " مع كون فيه صيغة منتهى الجموع أنه قصد بذلك التناسب لأن ما قبله وهو { إما شاكرا وإما كفورا } ، وما بعده وهو أغلالا وسعيرا منون ، أو على لغة من يصرف جميع ما لا ينصرف كما حكاه الكسائي وغيره من الكوفيين عن بعض العرب .

قال الأخفش : سمعنا من العرب من يصرف كل ما لا ينصرف ؛ لأن الأصل في الأسماء الصرف وترك الصرف لعارض فيها .

قال الفراء : هو على لغة من يجر الأسماء كلها إلا قولهم : هو أظرف منك فإنهم لا يجرونه ، وأنشد ابن الأنباري في ذلك قول عمرو بن كلثوم : كأن سيوفنا فينا وفيهم مخاريق بأيدي لاعبينا ومن ذلك قول الشاعر : وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم خضع الرقاب نواكس الأبصار بكسر السين من " نواكس " . وقول لبيد : وحسور أستار دعوني لحتفها بمعالق متشابه أعلاقها . وقوله أيضا : فضلا وذو كرم يعين على الندى سمح لشوب رغائب غنامها وقيل إن التنوين لموافقة رسم المصاحف المكية والمدنية والكوفية فإنها فيها بالألف ، وقيل إن هذا التنوين بدل من حرف الإطلاق ، ويجري الوصل مجرى الوقف ، والسلاسل قد تقدم تفسيرها ، والخلاف فيها هل هي القيود ، أو ما يجعل في الأعناق كما في قول الشاعر :

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل والأغلال جمع غل تغل به الأيدي إلى الأعناق ، والسعير : الوقود الشديد ، وقد تقدم تفسير السعير .

ثم ذكر سبحانه ما أعده للشاكرين فقال : { إن الأبرار يشربون من كأس } . الأبرار : أهل الطاعة والإخلاص ، والصدق جمع بر أو بار .

قال في الصحاح : جمع البر الأبرار ، وجمع البار البررة ، وفلان يبر خالقه ويبرره : أي يطيعه . وقال الحسن : البر الذي لا يؤذي الذر . وقال قتادة : الأبرار الذين يؤدون حق الله ويوفون بالنذر . والكأس في اللغة هو الإناء الذي فيه الشراب ، وإذا لم يكن فيه الشراب لم يسم كأسا ، ولا وجه لتخصيصه بالزجاجة ، بل يكون من الزجاج ومن الذهب والفضة والصيني وغير ذلك ، وقد كانت كاسات العرب من أجناس مختلفة ، وقد يطلق الكأس على نفس الخمر كما في قول الشاعر : وكأس شربت على لذة وأخرى تداويت منها بها { كان مزاجها كافورا } أي يخالطها وتمزج به ، يقال مزجه يمزجه مزجا : أي خلطه يخلطه خلطا ، ومنه قول الشاعر : كأن سبية من بيت رأس كأن مزاجها عسل وماء وقول عمرو بن كلثوم : صددت الكأس عنا أم عمرو وكان الكأس مجراها اليمينا معتقة كأن الحص فيها إذا ما الماء خالطها سخينا ومنه مزاج البدن ، وهو ما يمازجه من الأخلاط ، والكافور قيل : هو اسم عين في الجنة يقال لها الكافوري تمزج خمر الجنة بماء هذه العين .

وقال قتادة ، ومجاهد : تمزج لهم بالكافور وتختم لهم بالمسك .

وقال عكرمة : مزاجها طعمها ، وقيل إنما الكافور في ريحها لا في طعمها .

وقيل إنما أراد الكافور في بياضه وطيب رائحته وبرده ؛ لأن الكافور لا يشرب كما في قوله : { حتى إذا جعله نارا } [ الكهف : 96 ] أي كنار .

وقال ابن كيسان : طيبها المسك والكافور والزنجبيل .

وقال مقاتل : ليس هو كافور الدنيا ، وإنما سمى الله ما عنده بما عندكم حتى تهتدي له القلوب ، والجملة في محل جر صفة لكأس .

وقيل إن " كان " هنا زائدة : أي من كأس مزاجها كافور .

{ عينا يشرب بها عباد الله } انتصاب عينا على أنها بدل من كافورا ؛ لأن ماءها في بياض الكافور .

وقال مكي : إنها بدل من محل ( من كأس ) على حذف مضاف كأنه قيل : يشربون خمرا خمر عين ، وقيل إنها منتصبة على أنها مفعول يشربون : أي عينا من كأس ، وقيل هي منتصبة على الاختصاص ، قاله الأخفش وقيل منتصبة بإضمار فعل يفسره ما بعده : أي يشربون عينا يشرب بها عباد الله ، والأول أولى ، وتكون جملة { يشرب بها عباد الله } صفة ل عينا .

وقيل إن الباء في { يشرب بها } زائدة ، وقيل بمعنى " من " قاله الزجاج ، ويعضده قراءة ابن أبي عبلة " يشربها عباد الله " .

وقيل إن " يشرب " مضمن معنى يلتذ ، وقيل هي متعلقة بـ ( يشرب ) ، والضمير يعود إلى الكأس .

وقال الفراء : يشربها ويشرب بها سواء في المعنى ، وكأن يشرب بها يروى بها وينتفع بها ، وأنشد قول الهذلي : شربن بماء البحر ثم ترفعت قال : ومثله تكلم بكلام حسن ، وتكلم كلاما حسنا { يفجرونها تفجيرا } أي يجرونها إلى حيث يريدون وينتفعون بها كما يشاءون ويتبعهم ماؤها إلى كل مكان يريدون وصوله إليه ، فهم يشقونها شقا كما يشق النهر ويفجر إلى هنا وهنا .

قال مجاهد : يقودونها حيث شاءوا وتتبعهم حيث مالوا مالت معهم ، والجملة صفة أخرى ل عينا .

وجملة { يوفون بالنذر } مستأنفة مسوقة لبيان ما لأجله رزقوا ما ذكر ، وكذا ما عطف عليها . ومعنى النذر في اللغة الإيجاب ، والمعنى : يوفون بما أوجبه الله عليهم من الطاعات .

قال قتادة ، ومجاهد : يوفون بطاعة الله من الصلاة والحج ونحوهما .

وقال عكرمة : يوفون إذا نذروا في حق الله سبحانه ، والنذر في الشرع ما أوجبه المكلف على نفسه ، فالمعنى : يوفون بما أوجبوه على أنفسهم .

قال الفراء : في الكلام إضمار : أي كانوا يوفون بالنذر في الدنيا .

وقال الكلبي : يوفون بالعهد : أي يتممون العهد .

والأولى حمل النذر هنا على ما أوجبه العبد على نفسه من غير تخصيص { ويخافون يوما كان شره مستطيرا } المراد يوم القيامة ، ومعنى استطارة شره فشوه وانتشاره ، يقال استطار يستطير استطارة فهو مستطير ، وهو استفعل من الطيران ، ومنه قول الأعشى : فباتت وقد أثارت في الفؤا د صدعا على نأيها مستطيرا والعرب تقول : استطار الصدع في القارورة والزجاجة : إذا امتد ، ويقال استطار الحريق : إذا انتشر . قال الفراء : المستطير : المستطيل . قال قتادة : استطار شر ذلك اليوم حتى ملأ السماوات والأرض .

قال مقاتل : كان شره فاشيا في السماوات فانشقت وتناثرت الكواكب وفزعت الملائكة ، وفي الأرض نسفت الجبال وغارت المياه .

{ ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا } أي يطعمون هؤلاء الثلاثة الأصناف الطعام على حبه لديهم وقلته عندهم .

قال مجاهد : على قلته وحبهم إياه وشهوتهم له ؛ فقوله على حبه في محل نصب على الحال : أي كائنين على حبه . ومثله قوله : { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } [ آل عمران : 92 ] وقيل على حب الإطعام لرغبتهم في الخير .

قال الفضيل بن عياض : على حب إطعام الطعام .

وقيل الضمير في حبه يرجع إلى الله : أي يطعمون الطعام على حب الله : أي يطعمون إطعاما كائنا على حب الله .

ويؤيد هذا قوله : { إنما نطعمكم لوجه الله } والمسكين ذو المسكنة ، وهو الفقير ، أو من هو أفقر من الفقير ، والمراد باليتيم يتامى المسلمين ، والأسير الذي يؤسر فيحبس . قال قتادة ، ومجاهد : الأسير : المحبوس . وقال عكرمة : الأسير : العبد . وقال أبو حمزة الثمالي : الأسير : المرأة .

قال سعيد بن جبير : نسخ هذا الإطعام آية الصدقات وآية السيف في حق الأسير الكافر ، وقال غيره : بل هي محكمة ، وإطعام المسكين واليتيم على التطوع ، وإطعام الأسير لحفظ نفسه إلى أن يتخير فيه الإمام ، وجملة { إنما نطعمكم لوجه الله } في محل نصب على الحال بتقدير القول : أي يقولون إنما نطعمكم ، أو قائلين إنما نطعمكم : يعني أنهم لا يتوقعون المكافأة ولا يريدون ثناء الناس عليهم بذلك يستكملوا بهذا ولكن علمه الله من قلوبهم فأثنى عليهم بذلك .

قال الواحدي : قال المفسرون : لم يتكلموا بهذا ولكن علمه الله من قلوبهم فأثنى عليهم وعلم من ثنائه أنهم فعلوا ذلك خوفا من الله ورجاء ثوابه { لا نريد منكم جزاء ولا شكورا } أي لا نطلب منكم المجازاة على هذا الإطعام ولا نريد منكم الشكر لنا ، بل هو خالص لوجه الله ، وهذه الجملة مقررة لما قبلها ؛ لأن من أطعم لوجه الله لا يريد المكافأة ولا يطلب الشكر له ممن أطعمه .

{ إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا } أي نخاف عذاب يوم متصف بهاتين الصفتين ، ومعنى عبوسا : أنه يوم تعبس فيه الوجوه من هوله وشدته ، فالمعنى : أنه ذو عبوس .

قال الفراء ، وأبو عبيدة ، والمبرد : يوم قمطرير وقماطر : إذا كان صعبا شديدا ، وأنشد الفراء : بني عمنا هل تذكرون بلاءنا عليكم إذا ما كان يوم قماطر قال الأخفش : القمطرير أشد ما يكون من الأيام وأطوله في البلاء ، ومنه قول الشاعر : ففروا إذا ما الحرب ثار غبارها ولج بها اليوم العبوس القماطر . قال الكسائي : اقمطر اليوم وازمهر : إذا كان صعبا شديدا ، ومنه قول الشاعر : بنو الحرب أوصينا لهم بقمطرة ومن يلق منا ذلك اليوم يهرب وقال مجاهد : إن العبوس بالشفتين ، والقطمير بالجبهة والحاجبين ، فجعلهما من صفات المتغير في ذلك اليوم لما يراه من الشدائد ، وأنشد ابن الأعرابي : يقدر على الصيد بعود منكسر ويقمطر ساعة ويكفهر قال أبو عبيدة : يقال : قمطرير : أي منقبض ما بين العينين والحاجبين .

قال الزجاج : يقال اقمطرت الناقة : إذا رفعت ذنبها وجمعت قطريها ورمت بأنفها ما يسبقها من القطر ، وجعل الميم مزيدة .

{ فوقاهم الله شر ذلك اليوم } أي أعطاهم بدل العبوس في الكفار نضرة في الوجوه وسرورا في القلوب . قال الضحاك : والنضرة البياض والنقاء في وجوههم .

وقال سعيد بن جبير ، الحسن والبهاء ، وقيل النضرة أثر النعمة .

{ وجزاهم بما صبروا } أي بسبب صبرهم على التكاليف ، وقيل على الفقر ، وقيل على الجوع ، وقيل على الصوم .

والأولى حمل الآية على الصبر على كل شيء يكون الصبر عليه طاعة لله سبحانه ، وما مصدرية ، والتقدير : بصبرهم { جنة وحريرا } أي أدخلهم الجنة وألبسهم الحرير ، وهو لباس أهل الجنة عوضا عن تركه في الدنيا امتثالا لما ورد في الشرع من تحريمه ، وظاهر هذه الآيات العموم في كل من خاف من يوم القيامة وأطعم لوجه الله وخاف من عذابه ، والسبب وإن كان خاصا كما سيأتي فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ويدخل سبب التنزيل تحت عمومها دخولا أوليا .

وقد أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله : { هل أتى على الإنسان } قال : كل إنسان .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن المنذر عن ابن مسعود في قوله : أمشاج قال أمشاجها عروقها .

وأخرج سعيد بن منصور ، وابن أبي حاتم أمشاج قال : العروق .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن أبي حاتم عن ابن عباس { من نطفة أمشاج } قال : ماء الرجل وماء المرأة حين يختلطان .

وأخرج ابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه قال : أمشاج ألوان : نطفة الرجل بيضاء وحمراء ، ونطفة المرأة خضراء وحمراء .

وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا قال : الأمشاج الذي يخرج على أثر البول كقطع الأوتار ومنه يكون الولد .

وأخرج عبد الرزاق ، وابن المنذر عنه أيضا في قوله : وأسيرا قال : هو المشرك .

وأخرج ابن مردويه ، وأبو نعيم عن أبي سعيد الخدري ( عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : مسكينا قال : فقيرا ويتيما قال لا أب له وأسيرا قال : المملوك والمسجون ) .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله : { ويطعمون الطعام } الآية . قال : نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وأخرج ابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه في قوله : { يوما عبوسا } قال : ضيقا قمطريرا قال : طويلا وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك ( عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : { يوما عبوسا قمطريرا } قال : يقبض ما بين الأبصار ) .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر من طرق عن ابن عباس قال : القمطرير الرجل المنقبض ما بين عينيه ووجهه .

وأخرج ابن المنذر عنه { ولقاهم نضرة وسرورا } قال : نضرة في وجوههم وسرورا في صدورهم .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1563 - 1565
counter free hit invisible