<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

{ هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا }

استفهام تقريري والاستفهام من أقسام الخطاب وهو هنا موجه إلى غير معين ومستعمل في تحقيق الأمر المقرر به على طريق الكناية لأن الاستفهام طلب الفهم ، والتقرير يقتضي حصول العلم بما تقرر به وذلك إيماء إلى استحقاق الله أن يعترف الإنسان له بالوحدانية في الربوبية إبطالا لإشراك المشركين .

وتقديم هذا الاستفهام لما فيه من تشويق إلى معرفة ما يأتي بعده من الكلام .

فجملة ( { هل أتى على الإنسان } ) تمهيد وتوطئة للجملة التي بعدها وهي ( { إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج } ) إلخ . و ( هل ) حرف يفيد الاستفهام ومعنى التحقيق ، وقال جمع : أصل ( هل ) إنها في الاستفهام مثل ( قد ) في الخبر ، وبملازمة ( هل ) الاستفهام كثر في الكلام حذف حرف الاستفهام معها فكانت فيه بمعنى ( قد ) ، وخصت بالاستفهام فلا تقع في الخبر ، ويتطرق إلى الاستفهام بها ما يتطرق إلى الاستفهام من الاستعمالات . وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى ( { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام } ) في سورة البقرة .

وقد علمت أن حمل الاستفهام على معنى التقرير يحصل هذا المعنى .

والمعنى : هل يقر كل إنسان موجود أنه كان معدوما زمانا طويلا ، فلم يكن شيئا يذكر ، أي لم يكن يسمى ولا يتحدث عنه بذاته - وإن كان قد يذكر بوجه العموم في نحو قول الناس : المعدوم متوقف وجوده على فاعل . وقول الواقف : حبست على ذريتي ، ونحوه فإن ذلك ليس ذكرا لمعين ولكنه حكم على الأمر المقدر وجوده - . وهم لا يسعهم إلا الإقرار بذلك ، فلذلك اكتفي بتوجيه هذا التقرير إلى كل سامع .

وتعريف ( الإنسان ) للاستغراق مثل قوله ( { إن الإنسان لفي خسر } { إلا الذين آمنوا } ) الآية ، أي هل أتى على كل إنسان حين كان فيه معدوما .

والدهر : الزمان الطويل أو الزمان المقارن لوجود العالم الدنيوي .

والحين : مقدار مجمل من الزمان يطلق على ساعة وعلى أكثر ، وقد قيل إن أقصى ما يطلق عليه الحين أربعون سنة ولا أحسبه .

وجملة ( { لم يكن شيئا مذكورا } ) يجوز أن تكون نعتا لـ ( حين ) بتقدير ضمير رابط بمحذوف لدلالة لفظ ( حين ) على أن العائد مجرور بحرف الظرفية حذف مع جاره كقوله تعالى ( { واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا } ) إذ التقدير : لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئا ، فالتقدير هنا : لم يكن فيه الإنسان شيئا مذكورا ، أي كان معدوما في زمن سبق .

ويجوز أن تكون الجملة حالا من الإنسان ، وحذف العائد كحذفه في تقدير النعت . والشيء : اسم للموجود .

والمذكور : المعين الذي هو بحيث يذكر ، أي يعبر عنه بخصوصه ويخبر عنه بالأخبار والأحوال . ويتعلق لفظه الدال عليه بالأفعال .

فأما المعدوم فلا يذكر لأنه لا تعين له فلا يذكر إلا بعنوانه العام كما تقدم آنفا ، وليس هذا هو المراد بالذكر هنا .

ولهذا نجعل مذكورا وصفا لـ " شيئا " أريد به تقييد ( شيئا ) ، أي شيئا خاصا وهو الموجود المعبر عنه باسمه المعين له .
الكتاب التحرير والتنوير , الجزء 30-30 , الصفحة 372 - 373
counter free hit invisible