<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

وهي مكية بلا خلاف .

وأخرج ابن الضريس ، والنحاس ، وابن مردويه ، والبيهقي عن ابن عباس قال : نزلت سورة النازعات بمكة .

وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله .

بسم الله الرحمن الرحيم { والنازعات غرقا } { والناشطات نشطا } { والسابحات سبحا } { فالسابقات سبقا } { فالمدبرات أمرا } { يوم ترجف الراجفة } { تتبعها الرادفة } { قلوب يومئذ واجفة } { أبصارها خاشعة } { يقولون أئنا لمردودون في الحافرة } { أئذا كنا عظاما نخرة } { قالوا تلك إذا كرة خاسرة } { فإنما هي زجرة واحدة } { فإذا هم بالساهرة } { هل أتاك حديث موسى } { إذ ناداه ربه بالوادي المقدس طوى } { اذهب إلى فرعون إنه طغى } { فقل هل لك إلى أن تزكى } { وأهديك إلى ربك فتخشى } { فأراه الآية الكبرى } { فكذب وعصى } { ثم أدبر يسعى } { فحشر فنادى } { فقال أنا ربكم الأعلى } { فأخذه الله نكال الآخرة والأولى } { إن في ذلك لعبرة لمن يخشى }

أقسم سبحانه بهذه الأشياء التي ذكرها ، وهي الملائكة التي تنزع أرواح العباد عن أجسادهم كما ينزع النازع في القوس فيبلغ بها غاية المد ، وكذا المراد بالناشطات والسابحات والسابقات والمدبرات : يعني الملائكة . والعطف مع اتحاد الكل لتنزيل التغاير الوصفي منزلة التغاير الذاتي ، كما في قول الشاعر : إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم وهذا قول الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم .

وقال السدي النازعات هي النفوس حين تغرق في الصدور .

وقال مجاهد : هي الموت ينزع النفس .

وقال قتادة : هي النجوم تنزع من أفق إلى أفق ، من قولهم : نزع إليه إذا ذهب ، أو من قولهم نزعت بالحبل : أي أنها تغرب وتغيب وتطلع من أفق آخر .

وبه قال أبو عبيدة ، والأخفش ، وابن كيسان .

قال عطاء ، وعكرمة : النازعات : القسي تنزع بالسهام وإغراق النازع في القوس أن يمده غاية المد حتى ينتهي به إلى النصل .

وقال يحيى بن سلام : تنزع بين الكلأ وتنفر ، وقيل أراد بالنازعات الغزاة الرماة . وانتصاب ( غرقا ) على أنه مصدر بحذف الزوائد : أي إغراقا ، والناصب له ما قبله لملاقاته له في المعنى : أي إغراقا في النزاع حيث تنزعها من أقاصي الأجساد ، أو على الحال : أي ذوات إغراق ، يقال أغرق في الشيء يغرق فيه : إذا أوغل فيه وبلغ غايته .

ومعنى والناشطات أنها تنشط النفوس : أي تخرجها من الأجساد كما ينشط العقال من يد البعير : إذا حل عنه ، ونشط الرجل الدلو من البئر : إذا أخرجها ، والنشاط : الجذب بسرعة ومنه الأنشوطة للعقدة التي يسهل حلها .

قال أبو زيد : نشطت الحبل أنشطه نشاطا : عقدته ، وأنشطته : أي حللته ، وأنشطت الحبل : أي مددته .

قال الفراء : أنشط العقال : أي حل ، ونشط أي : ربط الحبل في يديه .

قال الأصمعي : بئر أنشاط : أي قريبة القعر يخرج الدلو منها بجذبة واحدة ، وبئر نشوط ، وهي التي لا يخرج منها الدلو حتى ينشط كثيرا .

وقال مجاهد : هو الموت ينشط نفس الإنسان .

وقال السدي : هي النفوس حين تنشط من القدمين .

قال عكرمة ، وعطاء : هي الأوهاق التي تنشط السهام ، وقال قتادة ، والحسن ، والأخفش : هي النجوم تنشط من أفق إلى أفق : أي تذهب .

قال في الصحاح : والناشطات نشطا : يعني النجوم من برج إلى برج كالثور الناشط من بلد إلى بلد ، والهموم تنشط بصاحبها .

وقال أبو عبيدة ، وقتادة : هي الوحوش حين تنشط من بلد إلى بلد .

وقيل الناشطات لأرواح المؤمنين ، والنازعات لأرواح الكافرين ، لأنها تجذب روح المؤمن برفق وتجذب روح الكافر بعنف . وقوله : نشطا مصدر ، وكذا سبحا وسبقا .

والسابحات الملائكة تسبح في الأبدان لإخراج الروح كما يسبح الغواص في البحر لإخراج شيء منه .

وقال مجاهد ، وأبو صالح : هي الملائكة ينزلون من السماء مسرعين لأمر الله ، كما يقال للفرس الجواد سابح إذا أسرع في جريه .

وقال مجاهد أيضا : السابحات : الموت يسبح في نفوس بني آدم .

وقيل هي الخيل السابحة في الغزو ، ومنه قول عنترة : والخيل تعلم حين تس بح في حياض الموت سبحا وقال قتادة ، والحسن : هي النجوم تسبح في أفلاكها كما في قوله : { وكل في فلك يسبحون } [ يس : 40 ] وقال عطاء : هي السفن تسبح في الماء ، وقيل هي أرواح المؤمنين تسبح شوقا إلى الله .

{ فالسابقات سبقا } هم الملائكة على قول الجمهور كما سلف .

قال مسروق ، ومجاهد : تسبق الملائكة الشياطين بالوحي إلى الأنبياء .

وقال أبو روق : هي الملائكة سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح ، وروي نحوه عن مجاهد .

وقال مقاتل : تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة .

وقال الربيع : هي أنفس المؤمنين تسبق إلى الملائكة شوقا إلى الله .

وقال مجاهد أيضا : هو الموت يسبق الإنسان .

وقال قتادة ، والحسن ، ومعمر : هي النجوم يسبق بعضها في السير بعضا .

وقال عطاء : هي الخيل التي تسبق إلى الجهاد .

وقيل هي الأرواح التي تسبق الأجساد إلى الجنة أو النار .

قال الجرجاني : عطف السابقات بالفاء ، لأنها مسببة من التي قبلها : أي ولو قلت قام وذهب بالواو لم يكن القيام سببا للذهاب .

قال الواحدي : وهذا غير مطرد في قوله : { فالمدبرات أمرا } لأنه يبعد أن يجعل السبق سببا للتدبر .

قال الرازي : ويمكن الجواب عما قاله الواحدي بأنها لما أمرت سبحت فسبقت فدبرت ما أمرت بتدبيره ، فتكون هذه أفعالا يتصل بعضها ببعض كقوله : قام زيد فذهب . ولما سبقوا في الطاعات وسارعوا إليها ظهرت أمانتهم ففوض إليهم التدبير .

ويجاب عنه بأن السبق لا يكون سببا للتدبير كسببية السبح للسبق والقيام للذهاب . ومجرد الاتصال لا يوجب السببية والمسببية .

والأولى أن يقال العطف بالفاء في المدبرات طوبق به ما قبله من عطف السابقات بالفاء ، ولا يحتاج إلى نكتة كما احتاج إليها ما قبله لأن النكتة إنما تطلب لمخالفة اللاحق للسابق لا لمطابقته وموافقته . { فالمدبرات أمرا } قال القشيري : أجمعوا على أن المراد هنا الملائكة .

وقال الماوردي : فيه قولان : أحدهما الملائكة وهو قول الجمهور .

والثاني أنها الكواكب السبع ، حكاه خالد بن معدان عن معاذ بن جبل .

وفي تدبيرها الأمر وجهان : أحدهما تدبر طلوعها وأفولها .

الثاني تدبير ما قضاه فيها من الأحوال .

ومعنى تدبير الملائكة للأمر نزولها بالحلال والحرام وتفصيلهما ، والفاعل للتدبير في الحقيقة وإن كان هو الله عز وجل ، لكن لما نزلت الملائكة به وصفت به .

وقيل إن الملائكة لما أمرت بتدبير أهل الأرض في الرياح والأمطار وغير ذلك قيل لها مدبرات .

قال عبد الرحمن بن ساباط : تدبير أمر الدنيا إلى أربعة من الملائكة : جبريل وميكائيل وعزرائيل وإسرافيل ، فأما جبريل فموكل بالرياح والجنود ، وأما ميكائيل فموكل بالقطر والنبات ، وأما عزرائيل فموكل بقبض الأنفس ، وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم .

وجواب القسم بهذه الأمور التي أقسم الله بها محذوف : أي والنازعات ، وكذا وكذا لتبعثن .

قال الفراء : وحذف لمعرفة السامعين به ، ويدل عليه قوله : { أئذا كنا عظاما نخرة } وقيل إن جواب القسم قوله : { إن في ذلك لعبرة لمن يخشى } أي إن في يوم القيامة وذكر موسى وفرعون لعبرة لمن يخشى .

قال ابن الأنباري : وهذا قبيح ؛ لأن الكلام قد طال بينهما ، وقيل جواب القسم { هل أتاك حديث موسى } لأن المعنى : قد أتاك ، وهذا ضعيف جدا ، وقيل الجواب : { يوم ترجف الراجفة } على تقدير ل ( يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة ) .

وقال السجستاني : يجوز أن يكون هذا من التقديم والتأخير ، كأنه قال : فإذا هم بالساهرة والنازعات .

قال ابن الأنباري : وهذا خطأ لأن الفاء لا يفتتح بها الكلام ، والأول أولى { يوم ترجف الراجفة } انتصاب هذا الظرف بالجواب المقدر للقسم ، أو بإضمار ( اذكر ) ، والراجفة : المضطربة ، يقال رجف يرجف : إذا اضطرب ، والمراد هنا الصيحة العظيمة التي فيها تردد واضطراب كالرعد ، وهي النفخة الأولى التي يموت بها جميع الخلائق ، والرادفة : النفخة الثانية التي تكون عند البعث ، وسميت رادفة لأنها ردفت النفخة الأولى ، كذا قال جمهور المفسرين .

وقال ابن زيد : الراجفة : الأرض ، والرادفة : الساعة .

وقال مجاهد : الرادفة : الزلزلة ، تتبعها الرادفة : الصيحة ، وقيل : الراجفة : اضطراب الأرض والرادفة : الزلزلة ، وأصل الرجفة الحركة ، وليس المراد التحرك هنا فقط ، بل الراجفة هنا مأخوذة من قولهم : رجف الرعد يرجف رجفا ورجيفا : إذا ظهر صوته ، ومنه سميت الأراجيف لاضطراب الأصوات بها وظهور الأصوات فيها ، ومنه قول الشاعر : أبالأراجيف يا ابن اللؤم توعدني وفي الأراجيف خلت اللؤم والخورا ومحل { تتبعها الرادفة } النصب على الحال من الراجفة ، والمعنى : لتبعثن يوم النفخة الأولى حال كون النفخة الثانية تابعة لها .

{ قلوب يومئذ واجفة } قلوب مبتدأ ، ويومئذ منصوب بواجفة ، وواجفة صفة قلوب .

وجملة { أبصارها خاشعة } خبر ( قلوب ) ، والراجفة : المضطربة القلقة لما عاينت من أهوال يوم القيامة .

قال جمهور المفسرين : أي خائفة وجلة .

وقال السدي : زائلة عن أماكنها ، نظيرة { إذ القلوب لدى الحناجر } [ غافر : 18 ] وقال المؤرج : قلقة مستوفزة .

وقال المبرد : مضطربة ، يقال وجف القلب يجف وجيفا : إذا خفق . كما يقال وجب يجب وجيبا ، والإيجاف : السير السريع ، فأصل الوجيف : اضطراب القلب ، ومنه قول قيس بن الخطيم : إن بني جحجبي وقومهم أكبادنا من ورائهم تجف أبصارها خاشعة : أي أبصار أصحابها ، فحذف المضاف . والخاشعة الذليلة ، والمراد أنها تظهر عليهم الذلة والخضوع عند معاينة أهوال يوم القيامة كقوله { خاشعين من الذل } [ الشورى : 45 ] قال عطاء : يريد أبصار من مات على غير الإسلام ، ويدل على هذا أن السياق في منكري البعث .

{ يقولون أئنا لمردودون في الحافرة } هذا حكاية لما يقوله المنكرون للبعث إذا قيل لهم إنكم تبعثون : أي أنرد إلى أول حالنا وابتداء أمرنا فنصير أحياء بعد موتنا ، يقال رجع فلان في حافرته : أي رجع من حيث جاء ، والحافرة عند العرب اسم لأول الشيء وابتداء الأمر ، ومنه قولهم رجع فلان على حافرته : أي على الطريق الذي جاء منه ، ويقال اقتتل القوم عند الحافرة : أي عند أول ما التقوا وسميت الطريق التي جاء منها حافرة لتأثيره فيها بمشيه فيها فهي حافرة بمعنى محفورة ، ومن هذا قول الشاعر : أحافرة على صلع وشيب معاذ الله من سفه وعار أي أأرجع إلى ما كنت عليه في شبابي من الغزل بعد الشيب والصلع . وقيل الحافرة : العاجلة ، والمعنى : إنا لمردودون إلى الدنيا ، وقيل الحافرة : الأرض التي تحفر فيها قبورهم ، ومنه قول الشاعر : آليت لا أنساكم فاعلموا حتى يرد الناس في الحافرة والمعنى : إنا لمردودون في قبورنا أحياء ، كذا قال الخليل ، والفراء ، وبه قال مجاهد .

وقال ابن زيد : الحافرة النار ، واستدل بقوله : { تلك إذا كرة خاسرة } .

قرأ الجمهور { في الحافرة } وقرأ أبو حيوة " في الحفرة " .

{ أئذا كنا عظاما نخرة } أي بالية متفتتة ، يقال نخر العظم بالكسر : إذا بلي ، وهذا تأكيد لإنكار البعث : أي كيف نرد أحياء ونبعث إذا كنا عظاما نخرة ، والعامل في ( إذا ) مضمر يدل عليه ( مردودون ) : أي أئذا كنا عظاما بالية نرد ونبعث مع كونها أبعد شيء من الحياة .

قرأ الجمهور ( نخرة ) وقرأ حمزة ، والكسائي ، وأبو بكر " ناخرة " واختار القراءة الأولى أبو عبيد ، وأبو حاتم ، واختار القراءة الثانية الفراء ، وابن جرير ، وأبو معاذ النحوي .

قال أبو عمرو بن العلاء : الناخرة التي لم تنخر بعد : أي لم تبل ولا بد أن تنخر .

وقيل هما بمعنى ، تقول العرب : نخر الشيء فهو ناخر ونخر ، وطمع فهو طامع وطمع ونحو ذلك .

قال الأخفش : هما جميعا لغتان أيهما قرأت فحسن .

قال الشاعر : يظل بها الشيخ الذي كان بادنا يدب على عوج له نخرات يعني على قوائم عوج ، وقيل الناخرة التي أكلت أطرافها وبقيت أوساطها ، والنخرة التي فسدت كلها .

وقال مجاهد نخرة : أي مرفوتة كما في قوله : رفاتا ، وقد قرئ " إذا كنا " و ( أئذا كنا ) بالاستفهام وبعدمه .

ثم ذكر سبحانه عنهم قولا آخر قالوه فقال : { قالوا تلك إذا كرة خاسرة } أي رجعة ذات خسران لما يقع على أصحابها من الخسران ، والمعنى : أنهم قالوا إن رددنا بعد الموت لنخسرن بما يصيبنا بعد الموت مما يقوله محمد .

وقيل معنى خاسرة كاذبة : أي ليس بكائنة ، كذا قال الحسن وغيره .

وقال الربيع بن أنس : خاسرة على من كذب بها .

وقال قتادة ، ومحمد بن كعب : أي لئن رددنا بعد الموت لنخسرن بالنار ، وإنما قالوا هذا لأنهم أوعدوا بالنار ، والكرة : الرجعة ، والجمع كرات .

وقوله : { فإنما هي زجرة واحدة } تعليل لما يدل عليه ما تقدم من استبعادهم لبعث العظام النخرة وإحياء الأموات ، والمعنى : لا تستبعدوا ذلك فإنما هي زجرة واحدة ، وكان ذلك الإحياء والبعث ، والمراد بالزجرة الصيحة وهي النفخة الثانية التي يكون البعث بها .

وقيل إن الضمير في قوله : إنما هي راجع إلى الرادفة المتقدم ذكرها .

{ فإذا هم بالساهرة } أي فإذا الخلائق الذين قد ماتوا ودفنوا أحياء على وجه الأرض ، قال الواحدي : المراد بالساهرة وجه الأرض وظاهرها في قول الجميع .

قال الفراء : سميت بهذا الاسم لأن فيها نوم الحيوان وسهرهم ، وقيل لأنه يسهر في فلاتها خوفا منها ، فسميت بذلك ، ومنه قول أبي كثير الهذلي : يردون ساهرة كأن حميمها وغميمها أسداف ليل مظلم وقول أمية بن أبي الصلت : وفيها لحم ساهرة وبحر وما فاهوا به لهم مقيم يريد لحم حيوان أرض ساهرة .

قال في الصحاح : الساهرة وجه الأرض ، ومنه قوله : { فإذا هم بالساهرة } .

وقال : الساهرة أرض بيضاء ، وقيل أرض من فضة لم يعص الله سبحانه فيها ، وقيل الساهرة الأرض السابعة يأتي بها الله سبحانه فيحاسب عليها الخلائق . وقال سفيان الثوري : الساهرة أرض الشام .

وقال قتادة : هي جهنم : أي فإذا هؤلاء الكفار في جهنم ، وإنما قيل لها ساهرة لأنهم لا ينامون فيها لاستمرار عذابهم .

وجملة { هل أتاك حديث موسى } مستأنفة مسوقة لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تكذيب قومه وأنه يصيبهم مثل ما أصاب من كان قبلهم ممن هو أقوى منهم ، ومعنى هل أتاك : قد جاءك وبلغك ، هذا على تقدير أن قد سمع من قصص فرعون وموسى ما يعرف به حديثهما ، وعلى تقدير أن هذا أول ما نزل عليه في شأنهما فيكون المعنى على الاستفهام : أي هل أتاك حديثه ؟ أنا أخبرك به .

{ إذ ناداه ربه بالوادي المقدس طوى } الظرف متعلق بـ " حديث " لا بـ " أتاك " لاختلاف وقتيهما ، وقد مضى من خبر موسى وفرعون في غير موضع ما فيه كفاية ، وقد تقدم الاختلاف بين القراء في " طوى " في سورة طه .

والواد المقدس : المبارك المطهر .

قال الفراء " طوى " واد بين المدينة ومصر .

قال : وهو معدول من طاو كما عدل عمر من عامر .

قال : والصرف أحب إلي إذ لم أجد في المعدول نظيرا له .

وقيل ( طوى ) معناه يا رجل بالعبرانية ، فكأنه قيل يا رجل اذهب . وقيل المعنى : إن الوادي المقدس بورك فيه مرتين ، والأول أولى .

وقد مضى تحقيق القول فيه .

{ اذهب إلى فرعون إنه طغى } قيل هو على تقدير القول ، وقيل هو تفسير للنداء : أي ناداه نداء هو قوله اذهب .

وقيل هو على حذف " أن " المفسرة ، ويؤيده قراءة ابن مسعود " أن اذهب " لأن في النداء معنى القول ، وجملة ( إنه طغى ) تعليل للأمر أو لوجوب الامتثال : أي جاوز الحد في العصيان والتكبر والكفر بالله .

فقل له { هل لك إلى أن تزكى } أي قوله بعد وصولك إليه هل لك رغبة إلى التزكي وهو التطهر من الشرك ، وأصله ( تتزكى ) فحذفت إحدى التاءين .

وقرأ الجمهور تزكى بالتخفيف .

وقرأ نافع ، وابن كثير بتشديد الزاي على إدغام التاء في الزاي .

قال أبو عمرو بن العلاء معنى قراءة التخفيف تكون زكيا مؤمنا ، ومعنى قراءة التشديد الصدقة ، وفي الكلام مبتدأ مقدر يتعلق به ( إلى ) ، والتقدير : هل لك رغبة أو هل لك توجه أو هل لك سبيل إلى التزكي . ومثل هذا قولهم هل لك في الخير ؟ يريدون هل لك رغبة في الخير ، ومن هذا قول الشاعر : فهل لكم فيها إلي فإنني بصير بما أعيا النطاسي جذيما { وأهديك إلى ربك فتخشى } أي أرشدك إلى عبادته وتوحيده فتخشى عقابه ، والفاء لترتيب الخشية على الهداية ؛ لأن الخشية لا تكون إلا من مهتد راشد .

{ فأراه الآية الكبرى } هذه الفاء هي الفصيحة لإفصاحها عن كلام محذوف ، يعني فذهب فقال له ما قال مما حكاه الله في غير موضع ، وأجاب عليه بما أجاب إلى أن قال : { إن كنت جئت بآية فأت بها } [ الأعراف : 106 ] فعند ذلك أراه الآية الكبرى .

واختلف في الآية الكبرى ما هي ؟ فقيل العصا ، وقيل يده ، وقيل فلق البحر ، وقيل هي جميع ما جاء به من الآيات التسع .

{ فكذب وعصى } أي فلما أراه الآية الكبرى كذب بموسى وبما جاء به وعصى الله عز وجل فلم يطعه .

{ ثم أدبر } أي تولى وأعرض عن الإيمان يسعى أي يعمل بالفساد في الأرض ويجتهد في معارضة ما جاء به موسى ، وقيل أدبر هاربا من الحية يسعى خوفا منها .

وقال الرازي : معنى { أدبر يسعى } أقبل يسعى ، كما يقال أقبل يفعل كذا : أي أنشأ يفعل كذا ، فوضع ( أدبر ) موضع أقبل لئلا يوصف بالإقبال .

( فحشر ) أي فجمع جنوده للقتال والمحاربة ، أو جمع السحرة للمعارضة ، أو جمع الناس للحضور ليشاهدوا ما يقع ، أو جمعهم ليمنعوه من الحية { فنادى فقال أنا ربكم الأعلى } أي قال لهم بصوت عال ، أو أمر من ينادي بهذا القول .

ومعنى { أنا ربكم الأعلى } أنه لا رب فوقي .

قال عطاء : كان صنع لهم أصناما صغارا وأمرهم بعبادتها وقال : أنا رب أصنامكم وقيل أراد بكونه ربهم أنه قائدهم وسائدهم .

والأول أولى لقوله في آية أخرى : { ما علمت لكم من إله غيري } .

{ فأخذه الله نكال الآخرة والأولى } النكال نعت مصدر محذوف : أي أخذه أخذ نكال ، أو هو مصدر لفعل محذوف : أي أخذه الله فنكله نكال الآخرة والأولى ، أو مصدر مؤكد لمضمون الجملة ، والمراد بنكال الآخرة عذاب النار ، ونكال الأولى عذاب الدنيا بالغرق .

وقال مجاهد : عذاب أول عمره وآخره .

وقال قتادة : الآخرة قوله : { أنا ربكم الأعلى } والأولى تكذيبه لموسى .

وقيل الآخرة قوله : { أنا ربكم الأعلى } والأول قوله : { ما علمت لكم من إله غيري } وكان بين الكلمتين أربعون سنة ، ويجوز أن يكون انتصاب ( نكال ) على أنه مفعول له : أي أخذه الله لأجل نكال . ويجوز أن ينتصب بنزع الخافض : أي بنكال .

ورجح الزجاج أنه مصدر مؤكد ، قال : لأن معنى أخذه الله : نكل الله به ، فأخرج من معناه لا من لفظه .

وقال الفراء : أي أخذه الله أخذا نكالا : أي للنكال والنكال اسم لما جعل نكالا للغير : أي عقوبة له ، يقال نكل فلان بفلان : إذا عاقبه .

وأصل الكلمة من الامتناع ، ومنه النكول عن اليمين ، والنكل القيد .

{ إن في ذلك لعبرة لمن يخشى } أي فيما ذكر من قصة فرعون وما فعل به عبرة عظيمة لمن شأنه أن يخشى الله ويتقيه ، ويخاف عقوبته ويحاذر غضبه .

وقد أخرج سعيد بن منصور ، وابن المنذر عن علي بن أبي طالب في قوله : { والنازعات غرقا } قال : هي الملائكة تنزع روح الكفار { والناشطات نشطا } قال : هي الملائكة تنشط أرواح الكفار ما بين الأظفار والجلد حتى تخرجها { والسابحات سبحا } هي الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين بين السماء والأرض { فالسابقات سبقا } هي الملائكة يسبق بعضها بعضا بأرواح المؤمنين إلى الله { فالمدبرات أمرا } هي الملائكة تدبر أمر العباد من السنة إلى السنة .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس { والنازعات غرقا } قال : هي أنفس الكفار تنزع ثم تنشط ثم تغرق في النار .

وأخرج الحاكم وصححه عنه { والنازعات غرقا } { والناشطات نشطا } قال : الموت .

وأخرج ابن المنذر ، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود { والنازعات غرقا } قال : الملائكة الذي يلون أنفس الكفار . إلى قوله : { والسابحات سبحا } قال : الملائكة .

وأخرج ابن مردويه عن معاذ بن جبل قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تمزق الناس فتمزقك كلاب النار ، قال الله : { والناشطات نشطا } أتدري ما هو ؟ قلت : يا نبي الله ما هو ؟ قال : كلاب في النار تنشط اللحم والعظم ) .

وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب أن ابن الكواء سأله عن { فالمدبرات أمرا } قال : هي الملائكة يدبرون ذكر الرحمن وأمره .

وأخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت عن ابن عباس قال : { فالمدبرات أمرا } ملائكة يكونون مع ملك الموت يحضرون الموتى عند قبض أرواحهم ، فمنهم من يعرج بالروح ، ومنهم من يؤمن على الدعاء ، ومنهم من يستغفر للميت حتى يصلى عليه ويدلى في حفرته .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه { يوم ترجف الراجفة } قال : النفخة الأولى { تتبعها الرادفة } قال : النفخة الثانية { قلوب يومئذ واجفة } قال : خائفة { أئنا لمردودون في الحافرة } قال : الحياة .

وأخرج أحمد ، وعبد بن حميد ، والترمذي وحسنه وابن المنذر ، والحاكم وصححه وابن مردويه ، والبيهقي في الشعب عن أبي بن كعب قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام فقال : أيها الناس اذكروا الله ، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة ، جاء الموت بما فيه ) .

وأخرج أبو الشيخ ، وابن مردويه ، والديلمي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ترجف الأرض رجفا وتزلزل بأهلها وهي التي يقول الله { يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة } يقول : مثل السفينة في البحر تكفأ بأهلها مثل القنديل المعلق بأرجائه ) وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس { قلوب يومئذ واجفة } قال : وجلة متحركة .

وأخرج عبد بن حميد عنه { أئنا لمردودون في الحافرة } قال : خلقا جديدا .

وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن الأنباري في الوقف والابتداء وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عنه أيضا أنه سئل عن قوله : { فإذا هم بالساهرة } فقال : الساهرة وجه الأرض ، وفي لفظ قال : الأرض كلها ساهرة ، ألا ترى قول الشاعر :

صيد بحر وصيد ساهرة وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عنه أيضا { هل لك إلى أن تزكى } قال : هل لك أن تقول : لا إله إلا الله .

وأخرج ابن جرير عنه أيضا { فأخذه الله نكال الآخرة } قال : قوله : { أنا ربكم الأعلى } والأولى قال : قوله : { ما علمت لكم من إله غيري } [ القصص : 38 ] .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو قال : كان بين كلمتيه أربعون سنة .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1580 - 1583
counter free hit invisible