<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

وهي مكية بلا خلاف .

وأخرج ابن الضريس ، والنحاس ، وابن مردويه ، والبيهقي عن ابن عباس قال : نزلت سورة { إذا الشمس كورت } بمكة .

وأخرج ابن مردويه عن عائشة وابن الزبير مثله .

وأخرج أحمد ، والترمذي وحسنه وابن المنذر ، والطبراني ، والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ : { إذا الشمس كورت } ، { إذا السماء انفطرت } ، { إذا السماء انشقت } ) .

بسم الله الرحمن الرحيم { إذا الشمس كورت } { وإذا النجوم انكدرت } { وإذا الجبال سيرت } { وإذا العشار عطلت } { وإذا الوحوش حشرت } { وإذا البحار سجرت } { وإذا النفوس زوجت } { وإذا الموءودة سئلت } { بأي ذنب قتلت } { وإذا الصحف نشرت } { وإذا السماء كشطت } { وإذا الجحيم سعرت } { وإذا الجنة أزلفت } { علمت نفس ما أحضرت } { فلا أقسم بالخنس } { الجواري الكنس } { والليل إذا عسعس } { والصبح إذا تنفس } { إنه لقول رسول كريم } { ذي قوة عند ذي العرش مكين } { مطاع ثم أمين } { وما صاحبكم بمجنون } { ولقد رآه بالأفق المبين } { وما هو على الغيب بضنين } { وما هو بقول شيطان رجيم } { فأين تذهبون } { إن هو إلا ذكر للعالمين } { لمن شاء منكم أن يستقيم } { وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين } قوله : { إذا الشمس كورت } ارتفاع الشمس بفعل محذوف يفسره ما بعده على الاشتغال ، وهذا عند البصريين ، وأما عند الكوفيين والأخفش فهو مرتفع على الابتداء .

والتكوير الجمع ، وهو مأخوذ من كار العمامة على رأسه يكورها .

قال الزجاج : لفت كما تلف العمامة ، يقال : كورت العمامة على رأسي أكورها كورا ، وكورتها تكويرا : إذا لففتها .

قال أبو عبيدة : كورت مثل تكوير العمامة تلف فتجمع .

قال الربيع بن خثيم كورت : أي رمي بها ، ومنه كورته فتكور : أي سقط .

وقال قتادة ، والكلبي : ذهب ضوؤها .

وقال مجاهد : اضمحلت .

قال الواحدي : قال المفسرون : تجمع الشمس بعضها إلى بعض ثم تلف فيرمى بها .

فالحاصل أن التكوير إما بمعنى لف جرمها ، أو لف ضوئها ، أو الرمي بها .

{ وإذا النجوم انكدرت } أي تهافتت وانقضت وتناكرت ، يقال انكدر الطائر من الهواء : إذا انقض ، والأصل في الانكدار الانصباب .

قال الخليل : يقال انكدر عليهم القوم : إذا جاءوا أرسالا فانصبوا عليهم .

قال أبو عبيدة : انصبت كما ينصب العقاب .

قال الكلبي ، وعطاء : تمطر السماء يومئذ نجوما ، فلا يبقى نجم في السماء إلا وقع على الأرض ، وقيل انكدارها طمس نورها .

{ وإذا الجبال سيرت } أي قلعت عن الأرض ، وسيرت في الهواء ، ومنه قوله : { ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة } [ الكهف : 47 ] .

{ وإذا العشار عطلت } العشار : النوق الحوامل التي في بطونها أولادها الواحدة عشراء ، وهي التي قد أتى عليها في الحمل عشرة أشهر ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع .

وخص العشار لأنها أنفس مال عند العرب ، وأعزه عندهم ، ومعنى عطلت : تركت هملا بلا راع ، وذلك لما شاهدوا من الهول العظيم ، قيل وهذا على وجه المثل لأن يوم القيامة لا تكون فيه ناقة عشراء ، بل المراد أنه لو كان للرجل ناقة عشراء في ذلك اليوم أو نوق عشار لتركها ولم يلتفت إليها اشتغالا بما هو فيه من هول يوم القيامة ، وسيأتي آخر البحث إن شاء الله ما يفيد أن هذا في الدنيا .

وقيل العشار : السحاب ، فإن العرب تشبهها بالحامل ، ومنه قوله : { فالحاملات وقرا } [ الذاريات : 2 ] وتعطيلها عدم إمطارها . قرأ الجمهور عطلت بالتشديد ، وقرأ ابن كثير في رواية عنه بالتخفيف .

وقيل المراد أن الديار تعطل فلا تسكن ، وقيل الأرض التي تعشر زرعها تعطل فلا تزرع .

{ وإذا الوحوش حشرت } الوحوش ما توحش من دواب البر ، ومعنى حشرت : بعثت حتى يقتص بعضها من بعض ، فيقتص للجماء من القرناء .

وقيل حشرها موتها ، وقيل إنها مع نفرتها اليوم من الناس وتبددها في الصحارى تضم ذلك اليوم إليهم .

قرأ الجمهور حشرت بالتخفيف ، وقرأ الحسن ، وعمرو بن ميمون بالتشديد .

{ وإذا البحار سجرت } أي أوقدت فصارت نارا تضطرم .

وقال الفراء : ملئت بأن صارت بحرا واحدا .

وروي عن قتادة ، وابن حبان أن معنى الآية : يبست ولا يبقى فيها قطرة ، يقال سجرت الحوض أسجره سجرا : إذا ملأته .

وقال القشيري : هو من سجرت التنور أسجره سجرا : إذا أحميته .

قال ابن زيد ، وعطية ، وسفيان ، ووهب وغيرهم : أوقدت فصارت نارا ، وقيل معنى سجرت أنها صارت حمراء كالدم ، من قولهم عين سجراء : أي حمراء .

قرأ الجمهور سجرت بتشديد الجيم .

وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو بتخفيفها .

{ وإذا النفوس زوجت } أي قرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة ، وقرن بين رجل السوء مع رجل السوء في النار .

وقال عطاء : زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين وقرنت نفوس الكافرين بالشياطين .

وقيل قرن كل شكل إلى شكله في سلطان كما في قوله : { احشروا الذين ظلموا وأزواجهم } [ الصافات : 22 ] وقال عكرمة { وإذا النفوس زوجت } يعني قرنت الأرواح بالأجساد .

وقال الحسن : ألحق كل امرئ بشيعته : اليهود باليهود ، والنصارى بالنصارى ، والمجوس بالمجوس ، وكل من كان يعبد شيئا من دون الله يلحق بعضهم ببعض والمنافقون بالمنافقين ، والمؤمنون بالمؤمنين .

وقيل يقرن الغاوي بمن أغواه من شيطان أو إنسان ، ويقرن المطيع بمن دعاه إلى الطاعة من الأنبياء والمؤمنين .

وقيل قرنت النفوس بأعمالها .

{ وإذا الموءودة سئلت } أي المدفونة حية ، وقد كان العرب إذا ولدت لأحدهم بنت دفنها حية مخافة العار أو الحاجة ، يقال : وأد يئد وأدا فهو وائد ، والمفعول به موءود ، وأصله مأخوذ من الثقل لأنها تدفن ، فيطرح عليها التراب فيثقلها فتموت ، ومنه { ولا يئوده حفظهما } [ البقرة : 255 ] أي لا يثقله ، ومنه قول متمم بن نويرة : وموءودة مقبورة في مغارة ومنه قول الراجز : سميتها إذا ولدت تموت والقبر صهر ضامن رميت قرأ الجمهور الموءودة بهمزة بين واوين ساكنين كالموعودة .

وقرأ البزي في رواية عنه بهمزة مضمونة ثم واو ساكنة .

وقرأ الأعمش " المودة " بزنة الموزة .

وقرأ الجمهور سئلت مبنيا للمفعول ، وقرأ الحسن بكسر السين من سال يسيل .

وقرأ الجمهور قتلت بالتخفيف مبنيا للمفعول ، وقرأ أبو جعفر بالتشديد على التكثير .

وقرأ علي ، وابن مسعود ، وابن عباس " سألت " مبنيا للفاعل " قتلت " بضم التاء الأخيرة .

ومعنى سئلت على قراءة الجمهور : أن توجيه السؤال إليها لإظهار كمال الغيظ على قاتلها حتى كان لا يستحق أن يخاطب ويسأل عن ذلك ، وفيه تبكيت لقاتلها وتوبيخ له شديد .

قال الحسن : أراد الله أن يوبخ قاتلها لأنها قتلت بغير ذنب ، وفي مصحف أبي " وإذا الموءودة سألت بأي ذنب قتلتني " .

{ وإذا الصحف نشرت } يعني صحائف الأعمال نشرت للحساب ، لأنها تطوى عند الموت وتنشر عند الحساب ، فيقف كل إنسان على صحيفته فيعلم ما فيها ، فيقول : { مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها } [ الكهف : 49 ] قرأ نافع ، وعاصم ، وابن عامر ، وأبو عمرو نشرت بالتخفيف .

وقرأ الباقون بالتشديد على التكثير .

{ وإذا السماء كشطت } الكشط : قلع عن شدة التزاق ، فالسماء تكشط كما يكشط الجلد عن الكبش ، والقشط بالقاف لغة في الكشط ، وهي قراءة ابن مسعود .

قال الزجاج : قلعت كما يقلع السقف .

وقال الفراء : نزعت فطويت .

وقال مقاتل : كشفت عما فيها .

قال الواحدي : ومعنى الكشط رفعك شيئا عن شيء قد غطاه .

{ وإذا الجحيم سعرت } أي أوقدت لأعداء الله إيقادا شديدا .

قرأ الجمهور " سعرت " بالتخفيف ، وقرأ نافع ، وابن ذكوان ، وحفص بالتشديد لأنها أوقدت مرة بعد مرة .

قال قتادة : سعرها غضب الله وخطايا بني آدم .

{ وإذا الجنة أزلفت } أي قربت إلى المتقين وأدنيت منهم .

قال الحسن : إنهم يقربون منها لا أنها تزول عن موضعها .

وقال ابن زيد : معنى أزلفت : تزينت .

والأول أولى لأن الزلفى في كلام العرب القرب .

قيل هذه الأمور الاثنا عشر : ست منها في الدنيا ، وهي من أول السورة إلى قوله : { وإذا البحار سجرت } ، وست في الآخرة وهي { وإذا النفوس زوجت } إلى هنا .

وجواب الجميع قوله : { علمت نفس ما أحضرت } على أن المراد الزمان الممتد من الدنيا إلى الآخرة ، لكن لا بمعنى أنها تعلم ما تعلم في كل جزء من أجزاء هذا الوقت الممتد ، بل المراد علمت ما أحضرته عند نشر الصحف : يعني ما عملت من خير أو شر . ومعنى ما أحضرت : ما أحضرت من أعمالها ، والمراد حضور صحائف الأعمال ، أو حضور الأعمال نفسها ، كما ورد أن الأعمال تصور بصور تدل عليها وتعرف بها ، وتنكير نفس المفيد لثبوت العلم المذكور لفرد من النفوس ، أو لبعض منها للإيذان بأن ثبوته لجميع أفرادها من الظهور والوضوح بحيث لا يخفى على أحد . ويدل على هذا قوله : { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا } [ آل عمران : 30 ] وقيل يجوز أن يكون ذلك للإشعار بأنه إذا علمت حينئذ نفس من النفوس ما أحضرت وجب على كل نفس إصلاح عملها مخافة أن تكون هي تلك التي علمت ما أحضرت ، فكيف وكل نفس تعلمه على طريقة قولك لمن تنصحه : لعلك ستندم على ما فعلت ، وربما ندم الإنسان على فعله .

{ فلا أقسم بالخنس } " لا " زائدة كما تقدم تحقيقه وتحقيق ما فيه من الأقوال في أول سورة القيامة : أي فأقسم بالخنس ، وهي الكواكب ، وسميت الخنس ، من خنس : إذا تأخر لأنها تخنس بالنهار فتخفى ولا ترى ، وهي زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد كما ذكره أهل التفسير .

ووجه تخصيصها بالذكر من بين سائر النجوم أنها تستقبل الشمس وتقطع المجرة .

وقال في الصحاح : الخنس : الكواكب كلها ، لأنها تخنس في المغيب ، أو لأنها تخفى نهارا ، أو يقال هي الكواكب السيارة منها دون الثابتة .

قال الفراء : إنها الكواكب الخمسة المذكورة ، لأنها تخنس في مجراها ، وتكنس : أي تستتر كما تكنس الظباء في المغار ، ويقال سميت خنسا لتأخرها ، لأنها الكواكب المتحيرة التي ترجع وتستقيم .

يقال خنس عنه يخنس خنوسا : إذا تأخر ، وأخنسه غيره : إذا خلفه ومضى عنه ، والخنس : تأخر الأنف عن الوجه مع ارتفاع قليل في الأرنبة .

ومعنى الجوار أنها تجري مع الشمس والقمر ، ومعنى الكنس أنها ترجع حتى تخفى تحت ضوء الشمس ، فخنوسها رجوعها ، وكنوسها اختفاؤها تحت ضوئها ، وقيل خنوسها خفاؤها بالنهار ، وكنوسها غروبها .

قال الحسن ، وقتادة : هي النجوم التي تخنس بالنهار وإذا غربت ، والمعنى متقارب لأنها تتأخر في النهار عن البصر لخفائها فلا ترى ، وتظهر بالليل وتكنس في وقت غروبها .

وقيل المراد بها بقر الوحش لأنها تتصف بالخنس وبالجوار وبالكنس .

وقال عكرمة : الخنس البقر والكنس الظباء ، فهي تخنس إذا رأت الإنسان وتنقبض وتتأخر وتدخل كناسها .

وقيل هي الملائكة .

والأول أولى لذكر الليل والصبح بعد هذا ، والكنس مأخوذ من الكناس الذي يختفي فيه الوحش . والخنس جمع خانس وخانسة . والكنس جمع كانس وكانسة .

{ والليل إذا عسعس } قال أهل اللغة : هو من الأضداد ، يقال عسعس الليل : إذا أقبل ، وعسعس : إذا أدبر .

ويدل على أن المراد هنا أدبر قوله : { والصبح إذا تنفس } قال الفراء : أجمع المفسرون على أن معنى عسعس أدبر ، كذا حكاه عنه الجوهري ، وقال الحسن : أقبل بظلامه .

قال الفراء : العرب تقول عسعس الليل : إذا أقبل ، وعسعس الليل : إذا أدبر ، وهذا لا ينافي ما تقدم عنه ؛ لأنه حكى عن المفسرين أنهم أجمعوا على حمل معناه في هذه الآية على أدبر ، وإن كان في الأصل مشتركا بين الإقبال والإدبار .

قال المبرد : هو من الأضداد .

قال : والمعنيان يرجعان إلى شيء واحد ، وهو ابتداء الظلام في أوله وإدباره في آخره .

قال رؤبة بن العجاج : يا هند ما أسرع ما تعسعسا من بعد ما كان فتى ترعرعا وقال امرؤ القيس : عسعس حتى لو نشاء إذ دنا كان لنا من ناره مقتبس وقوله : الماء على الربع القديم تعسعسا { والصبح إذا تنفس } التنفس في الأصل : خروج النسيم من الجوف .

وتنفس الصبح : إقباله ؛ لأنه يقبل بروح ونسيم ، فجعل ذلك تنفسا له مجازا .

قال الواحدي : تنفس : أي امتد ضوؤه حتى يصير نهارا ، ومنه يقال للنهار إذا زاد : تنفس .

وقيل { إذا تنفس } إذا انشق وانفلق ، ومنه تنفست القوس : أي تصدعت .

ثم ذكر سبحانه جواب القسم فقال : { إنه لقول رسول كريم } يعني جبريل لكونه نزل به من جهة الله سبحانه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأضاف القول إلى جبريل لكونه مرسلا به ، وقيل المراد بالرسول في الآية محمد صلى الله عليه وسلم ، والأول أولى .

ثم وصف الرسول المذكور بأوصاف محمودة فقال : { ذي قوة عند ذي العرش مكين } أي ذي قوة شديدة في القيام بما كلف به ، كما في قوله : { شديد القوى } ، ومعنى { عند ذي العرش مكين } أنه ذو رفعة عالية ومكانة مكينة عند الله سبحانه ، وهو في محل نصب على الحال من مكين ، وأصله الوصف فلما قدم صار حالا ، ويجوز أن يكون نعتا لرسول ، يقال مكن فلان عند فلان مكانة : أي صار ذا منزلة عنده ومكانة .

قال أبو صالح : من مكانته عند ذي العرش أنه يدخل سبعين سرادقا بغير إذن .

ومعنى مطاع أنه مطاع بين الملائكة يرجعون إليه ويطيعونه { ثم أمين } قرأ الجمهور بفتح ثم على أنها ظرف مكان للبعيد ، والعامل فيه مطاع أو ما بعده ، والمعنى : أنه مطاع في السماوات أو أمين فيها : أي مؤتمن على الوحي وغيره ، وقرأ هشيم ، وأبو جعفر ، وأبو حيوة بضمها على أنها عاطف ، وكان العطف بها للتراخي في الرتبة لأن ما بعدها أعظم مما قبلها ، ومن قال : إن المراد بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، فالمعنى : أنه ذو قوة على تبليغ الرسالة إلى الأمة مطاع ، يطيعه من أطاع الله ، أمين على الوحي .

{ وما صاحبكم بمجنون } الخطاب لأهل مكة ، والمراد بصاحبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمعنى : وما محمد يا أهل مكة بمجنون ، وذكره بوصف الصحبة للإشعار بأنهم عالمون بأمره ، وأنه ليس مما يرمونه به من الجنون وغيره في شيء ، وأنهم افتروا عليه ذلك عن علم منهم بأنه أعقل الناس وأكملهم ، وهذه الجملة داخلة في جواب القسم ، فأقسم سبحانه بأن القرآن نزل به جبريل ، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس كما يقولون من أنه مجنون ، وأنه يأتي بالقرآن من جهة نفسه .

{ ولقد رآه بالأفق المبين } اللام جواب قسم محذوف : أي وتالله لقد رأى محمد جبريل بالأفق المبين : أي بمطلع الشمس من قبل المشرق ؛ لأن هذا الأفق إذا كانت الشمس تطلع منه فهو مبين ؛ لأن من جهته ترى الأشياء .

وقيل الأفق المبين : أقطار السماء ونواحيها ، ومنه قول الشاعر : أخذنا بأقطار السماء عليكم لنا قمراها والنجوم الطوالع وإنما قال سبحانه : { ولقد رآه بالأفق المبين } مع أنه قد رآه غير مرة ؛ لأنه رآه هذه المرة في صورته له ستمائة جناح ، قال سفيان : إنه رآه في أفق السماء الشرقي .

وقال ابن بحر : في أفق السماء الغربي .

وقال مجاهد : رآه نحو أجياد وهو مشرق مكة ، والمبين صفة للأفق قاله الربيع .

وقيل صفة لمن رآه قاله مجاهد : ، وقيل معنى الآية : ولقد رأى محمد ربه عز وجل ، وقد تقدم القول في هذا في سورة النجم .

وما هو أي محمد صلى الله عليه وسلم على الغيب يعني خبر السماء وما اطلع عليه مما كان غائبا علمه عن أهل مكة { بضنين } بمتهم : أي هو ثقة فيما يؤدي عن الله سبحانه .

وقيل بضنين ببخيل : أي لا يبخل بالوحي ، ولا يقصر في التبليغ ، وسبب هذا الاختلاف اختلاف القراء ، فقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، والكسائي " بظنين " بالظاء المشالة أي : بمتهم ، والظنة التهمة ، واختار هذه القراءة أبو عبيد قال : لأنهم لم يبخلوا ولكن كذبوه .

وقرأ الباقون { بضنين } بالضاد : أي ببخيل ، من ضننت بالشيء أضن ضنا : إذا بخلت .

قال مجاهد : أي لا يضن عليكم بما يعلم بل يعلم الخلق كلام الله وأحكامه .

وقيل المراد جبريل إنه ليس على الغيب بضنين ، والأول أولى .

{ وما هو بقول شيطان رجيم } أي وما القرآن بقول شيطان من الشياطين المسترقة للسمع المرجومة بالشهب .

قال الكلبي : يقول إن القرآن ليس بشعر ولا كهانة كما قالت قريش .

قال عطاء : يريد بالشيطان : الشيطان الأبيض الذي كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة جبريل يريد أن يفتنه .

ثم بكتهم سبحانه ووبخهم فقال : { فأين تذهبون } أي أين تعدلون عن هذا القرآن وعن طاعته كذا قاله قتادة .

وقال الزجاج : معناه أي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد بينت لكم . يقال أين تذهب ، وإلى أين تذهب ؟ وحكى الفراء عن العرب : ذهبت الشام ، وخرجت العراق ، وانطلقت السوق : أي إليها .

قال : سمعناه في هذه الأحرف الثلاثة ، وأنشد لبعض بني عقيل : تصيح بنا حنيفة إذ رأتنا وأي الأرض تذهب بالصياح تريد إلى أي الأرض تذهب ، فحذف إلى .

{ إن هو إلا ذكر للعالمين } أي ما القرآن إلا موعظة للخلق أجمعين ، وتذكير لهم .

وقوله : { لمن شاء منكم أن يستقيم } بدل من العالمين بإعادة الجار ومفعول المشيئة أن يستقيم أي لمن شاء منكم الاستقامة على الحق والإيمان والطاعة .

{ وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين } أي وما تشاءون الاستقامة إلا أن يشاء الله تلك المشيئة ، فأعلمهم سبحانه أن المشيئة في التوفيق إليه ، وأنهم لا يقدرون على ذلك إلا بمشيئة الله وتوفيقه ، ومثل هذا قوله سبحانه : { وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله } [ يونس : 100 ] وقوله : { ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله } [ الأنعام : 111 ] وقوله : { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } [ القصص : 56 ] والآيات القرآنية في هذا المعنى كثيرة .

وقد أخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله : { إذا الشمس كورت } قال : أظلمت { وإذا النجوم انكدرت } قال : تغيرت .

وأخرج ابن أبي حاتم ، والديلمي عن أبي مريم ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قوله : { إذا الشمس كورت } قال : كورت في جهنم { وإذا النجوم انكدرت } قال : انكدرت في جهنم ) ، فكل من عبد من دون الله فهو في جهنم ، إلا ما كان من عيسى وأمه ، ولو رضيا أن يعبدا لدخلاها .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن المنذر عن أبي العالية قال : ست آيات من هذه السورة في الدنيا ، والناس ينظرون إليها ، وست ينظرون في الآخرة { إذا الشمس كورت } إلى { وإذا البحار سجرت } هذه في الدنيا والناس ينظرون إليها { وإذا النفوس زوجت } إلى { وإذا الجنة أزلفت } هذه في الآخرة .

وأخرج ابن أبي الدنيا في الأهوال وابن جرير ، وابن أبي حاتم عن أبي بن كعب قال : ست آيات قبل يوم القيامة : بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس ، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض فتحركت واضطربت واختلطت ، ففزعت الجن إلى الإنس والإنس إلى الجن ، واختلطت الدواب والطير والوحش فماجوا بعضهم في بعض .

{ وإذا الوحوش حشرت } قال : اختلطت { وإذا العشار عطلت } قال : أهملها أهلها { وإذا البحار سجرت } قال الجن للإنس : نحن نأتيكم بالخبر ، فانطلقوا إلى البحر فإذا هو نار تأجج ، فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة وإلى السماء السابعة ، فبينما هم كذلك إذ جاءتهم ريح فأماتتهم .

وأخرج الفريابي ، وسعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : { وإذا الوحوش حشرت } قال : حشر البهائم موتها ، وحشر كل شيء الموت غير الجن والإنس فإنهما يوافيان يوم القيامة .

وأخرج ابن المنذر ، وابن أبي حاتم والخطيب في المتفق والمفترق عنه في قوله : { وإذا الوحوش حشرت } قال : يحشر كل شيء يوم القيامة حتى أن الدواب لتحشر .

وأخرج البيهقي في البعث عنه أيضا في قوله : { وإذا البحار سجرت } قال : تسجر حتى تصير نارا .

وأخرج الطبراني عنه { سجرت } قال : اختلط ماؤها بماء الأرض .

وأخرج عبد الرزاق ، والفريابي ، وسعيد بن منصور ، وابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والحاكم وصححه ، وابن مردويه ، وأبو نعيم في الحيلة ، والبيهقي في البعث عن النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب في قوله : { وإذا النفوس زوجت } قال : يقرن بين الرجل الصالح مع الصالح في الجنة ويقرن بين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار ، كذلك تزويج الأنفس . وفي رواية : ثم قرأ { احشروا الذين ظلموا وأزواجهم } وأخرج نحوه ابن مردويه عن النعمان بن بشير مرفوعا .

وأخرج البزار ، والحاكم في الكنى والبيهقي في سننه عن عمر بن الخطاب قال : ( جاء قيس بن عاصم التميمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني وأدت ثماني بنات لي في الجاهلية ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتق عن كل واحدة رقبة ، قال : إني صاحب إبل ، قال : فأهد عن كل واحدة بدنة ) وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس { وإذا الجنة أزلفت } قال : قربت .

وأخرج سعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، والحاكم وصححه من طرق عن علي بن أبي طالب في قوله : { فلا أقسم بالخنس } قال : هي الكواكب تكنس بالليل وتخنس بالنهار فلا ترى .

وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله : { فلا أقسم بالخنس } قال خمسة أنجم : زحل وعطارد والمشتري وبهرام والزهرة ، ليس شيء يقطع المجرة غيرها .

وأخرج ابن مردويه ، والخطيب في كتاب النجوم عن ابن عباس في الآية قال : هي النجوم السبعة : زحل وبهرام وعطارد والمشتري والزهرة والشمس والقمر ، خنوسها رجوعها ، وكنوسها تغيبها بالنهار .

وأخرج عبد الرزاق ، والفريابي ، وابن سعد ، وسعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، والحاكم وصححه من طرق عن ابن مسعود في قوله : بالخنس الجواري الكنس قال : هي بقر الوحش .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : هي البقر تكنس إلى الظل .

وأخرج ابن المنذر عنه قال : تكنس لأنفسها في أصول الشجر تتوارى فيه .

وأخرج ابن جرير عنه أيضا قال : هي الظباء .

وأخرج ابن راهويه ، وعبد بن حميد ، والبيهقي في الشعب عن علي بن أبي طالب في قوله : { الجوار الكنس } قال : هي الكواكب . وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس الخنس البقر { الجوار الكنس } الظباء ، ألم ترها إذا كانت في الظل كيف تكنس بأعناقها ومدت نظرها .

وأخرج أبو أحمد الحاكم في الكنى عن أبي العديس قال : كنا عند عمر بن الخطاب فأتاه رجل ، فقال يا أمير المؤمنين ما { الجوار الكنس } فطعن عمر بمخصرة معه في عمامة الرجل فألقاها عن رأسه ، فقال عمر : أحروري ؟ والذي نفس عمر بن الخطاب بيده لو وجدتك محلوقا لأنحيت القمل عن رأسك . وهذا منكر ، فالحرورية لم يكونوا في زمن عمر ولا كان لهم في ذلك الوقت ذكر .

وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله : { والليل إذا عسعس } قال : إذا أدبر { والصبح إذا تنفس } قال : إذا بدا النهار حين طلوع الفجر .

وأخرج الطبراني عنه { إذا عسعس } قال : إقبال سواده .

وأخرج ابن المنذر عنه أيضا { إنه لقول رسول كريم } قال : جبريل .

وأخرج ابن مردويه ، وأبو نعيم في الدلائل عن ابن مسعود { ولقد رآه بالأفق المبين } قال : رأى جبريل له ستمائة جناح قد سد الأفق .

وأخرج الطبراني ، وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال : إنما عنى جبريل أن محمدا رآه في صورته عند سدرة المنتهى .

وأخرج ابن مردويه عنه بالأفق المبين ، قال : السماء السابعة .

وأخرج سعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن مردويه من طرق عن ابن عباس أنه كان يقرأ { بضنين } بالضاد ، وقال : ببخيل .

وأخرج سعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن مردويه عن ابن مسعود أنه قرأ " وما هو على الغيب بظنين " بالظاء قال : ليس بمتهم .

وأخرج الدارقطني في الأفراد والحاكم وصححه وابن مردويه ، والخطيب في تاريخه عن عائشة ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ " بظنين " بالظاء )

وأخرج ابن أبي حاتم ، وابن مردويه عن أبي هريرة قال : ( لما نزلت { لمن شاء منكم أن يستقيم } قالوا : الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم ، فهبط جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : كذبوا يا محمد { وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين } ) .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1590 - 1593
counter free hit invisible