<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

بسم الله الرحمن الرحيم

القول في تأويل قوله تعالى : ( { إذا السماء انفطرت } ( 1 ) { وإذا الكواكب انتثرت } ( 2 ) { وإذا البحار فجرت } ( 3 ) { وإذا القبور بعثرت } ( 4 ) { علمت نفس ما قدمت وأخرت } ( 5 ) ) .

يقول تعالى ذكره : ( { إذا السماء انفطرت } ) انشقت ، وإذا كواكبها انتثرت منها فتساقطت ، ( { وإذا البحار فجرت } ) يقول : فجر بعضها في بعض ، فملأ جميعها .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في بعض ذلك .

ذكر من قال ذلك :

حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله : ( { وإذا البحار فجرت } ) يقول : بعضها في بعض .

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ( { وإذا البحار فجرت } ) فجر عذبها في مالحها ، ومالحها في عذبها .

حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن الحسن ( { وإذا البحار فجرت } ) قال : فجر بعضها في بعض ، فذهب ماؤها . وقال الكلبي : ملئت .

وقوله : ( { وإذا القبور بعثرت } ) يقول : وإذا القبور أثيرت فاستخرج من فيها من الموتى أحياء ، يقال : بعثر فلان حوض فلان : إذا جعل أسفله أعلاه ، يقال : بعثرة وبحثرة : لغتان .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، في قوله : ( { وإذا القبور بعثرت } ) يقول : بحثت .

وقوله : ( { علمت نفس ما قدمت وأخرت } ) يقول تعالى ذكره : علمت كل نفس ما قدمت لذلك اليوم من عمل صالح ينفعه ، وأخرت وراءه من شيء سنه فعمل به .

واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم بنحو الذي قلنا في ذلك .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه ، قال : ثني عن القرظي ، أنه قال في : ( { علمت نفس ما قدمت وأخرت } ) قال : ما قدمت مما عملت ، وأما ما أخرت فالسنة يسنها الرجل يعمل بها من بعده .

وقال آخرون : عني بذلك ما قدمت من الفرائض التي أدتها ، وما أخرت من الفرائض التي ضيعتها .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن أبيه ، عن سعيد بن مسروق ، عن عكرمة ( { علمت نفس ما قدمت } ) قال : ما افترض عليها ( وأخرت ) قال : مما افترض عليها .

حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ( { علمت نفس ما قدمت وأخرت } ) قال : تعلم ما قدمت من طاعة الله ، وما أخرت مما أمرت به من حق لله عليه لم تعمل به .

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ( { علمت نفس ما قدمت وأخرت } ) قال : ما قدمت من خير ، وأخرت من حق الله عليها لم تعمل به .

حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، ( { ما قدمت وأخرت } ) قال : ما قدمت من طاعة الله وما أخرت من حق الله .

حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : ( { علمت نفس ما قدمت وأخرت } ) قال : ما قدمت : عملت ، وما أخرت : تركت وضيعت ، وأخرت من العمل الصالح الذي دعاها الله إليه .

وقال آخرون : بل معنى ذلك : ما قدمت من خير أو شر ، وأخرت من خير أو شر .

ذكر من قال ذلك :

حدثني يعقوب ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا العوام ، عن إبراهيم التيمي ، قال : ذكروا عنده هذه الآية ( { علمت نفس ما قدمت وأخرت } ) قال : أنا مما أخر الحجاج .

وإنما اخترنا القول الذي ذكرناه ، لأن كل ما عمل العبد من خير أو شر فهو مما قدمه ، وأن ما ضيع من حق الله عليه وفرط فيه فلم يعمله ، فهو مما قد قدم من شر ، وليس ذلك مما أخر من العمل ، لأن العمل هو ما عمله . فأما ما لم يعمله فإنما هو سيئة قدمها ، فلذلك قلنا : ما أخر : هو ما سنه من سنة حسنة وسيئة ، مما إذا عمل به العامل ، كان له مثل أجر العامل بها أو وزره .
الكتاب تفسير الطبري , الجزء 24-24 , الصفحة 265 - 269
counter free hit invisible