<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

وهي مكية بلا خلاف .

وأخرج ابن الضريس ، والنحاس ، وابن مردويه عن ابن عباس قال : نزلت { إذا السماء انفطرت } بمكة .

وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله .

وأخرج النسائي عن جابر قال : ( قام معاذ فصلى العشاء فطول ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أفتان أنت يا معاذ ؟ أين أنت عن { سبح اسم ربك الأعلى } [ أي سورة الأعلى ] { والضحى } [ أي سورة الضحى ] و { إذا السماء انفطرت } ) وأصل الحديث في الصحيحين ، ولكن بدون ذكر { إذا السماء انفطرت } وقد تفرد بها النسائي ، وقد تقدم في سورة التكوير حديث ( من سره أن ينظر إلي يوم القيامة رأي عين فليقرأ { إذا الشمس كورت } ، و { إذا السماء انفطرت } ، و { إذا السماء انشقت } ) .

بسم الله الرحمن الرحيم { إذا السماء انفطرت } { وإذا الكواكب انتثرت } { وإذا البحار فجرت } { وإذا القبور بعثرت } { علمت نفس ما قدمت وأخرت } { ياأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم } { الذي خلقك فسواك فعدلك } { في أي صورة ما شاء ركبك } { كلا بل تكذبون بالدين } { وإن عليكم لحافظين } { كراما كاتبين } { يعلمون ما تفعلون } { إن الأبرار لفي نعيم } { وإن الفجار لفي جحيم } { يصلونها يوم الدين } { وما هم عنها بغائبين } { وما أدراك ما يوم الدين } { ثم ما أدراك ما يوم الدين } { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله } قوله : { إذا السماء انفطرت } قال الواحدي : قال المفسرون : انفطارها : انشقاقها كقوله : { ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا } [ الفرقان : 25 ] والفطر : الشق ، يقال فطرته فانفطر ، ومنه فطر ناب البعير : إذا طلع ، قيل والمراد أنها انفطرت هنا لنزول الملائكة منها ، وقيل انفطرت لهيبة الله .

{ وإذا الكواكب انتثرت } أي تساقطت متفرقة : يقال نثرت الشيء أنثره نثرا .

{ وإذا البحار فجرت } أي فجر بعضها في بعض فصارت بحرا واحدا ، واختلط العذب منها بالمالح .

وقال الحسن : معنى فجرت : ذهب ماؤها ويبست ، وهذه الأشياء بين يدي الساعة كما تقدم في السورة التي قبل هذه .

{ وإذا القبور بعثرت } أي قلب ترابها وأخرج الموتى الذين هم فيها ، يقال بعثر يبعثر بعثرة : إذا قلب التراب ، ويقال بعثر المتاع ، قلبه ظهرا لبطن ، وبعثرت الحوض وبحثرته : إذا هدمته وجعلت أعلاه أسفله .

قال الفراء : بعثرت : أخرج ما في بطنها من الذهب والفضة ، وذلك من أشراط الساعة أن تخرج الأرض ذهبها وفضتها .

ثم ذكر سبحانه الجواب عما تقدم فقال : { علمت نفس ما قدمت وأخرت } والمعنى : أنها علمته عند نشر الصحف لا عند البعث ؛ لأنه وقت واحد من عند البعث إلى عند مصير أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار ، والكلام في إفراد نفس هنا كما تقدم في السورة الأولى في قوله { علمت نفس ما أحضرت } [ التكوير : 14 ] ومعنى { ما قدمت وأخرت } ما قدمت من عمل خير أو شر ، وما أخرت من سنة حسنة أو سيئة ؛ لأن لها أجر ما سنته من السنن الحسنة وأجر من عمل بها ، وعليها وزر ما سنته من السنن السيئة ووزر من عمل بها .

وقال قتادة : ما قدمت من معصية وأخرت من طاعة ، وقيل ما قدم من فرض وأخر من فرض ، وقيل أول عمله وآخره ، وقيل إن النفس تعلم عند البعث بما قدمت وأخرت علما إجماليا ؛ لأن المطيع يرى آثار السعادة ، والعاصي يرى آثار الشقاوة ، وأما العلم التفصيلي فإنما يحصل عند نشر الصحف .

{ يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم } هذا خطاب الكفار : أي ما الذي غرك وخدعك حتى كفرت بربك الكريم الذي تفضل عليك في الدنيا بإكمال خلقك وحواسك ، وجعلك عاقلا فاهما ، ورزقك وأنعم عليك بنعمه التي لا تقدر على جحد شيء منها .

قال قتادة : غره شيطانه المسلط عليه .

وقال الحسن : غره شيطانه الخبيث ، وقيل حمقه وجهله ، وقيل غره عفو الله إذ لم يعاجله بالعقوبة أول مرة .

كذا قال مقاتل .

{ الذي خلقك فسواك فعدلك } أي خلقك من نطفة ولم تك شيئا ، فسواك رجلا تسمع وتبصر وتعقل ، فعدلك : جعلك معتدلا .

قال عطاء : جعلك قائما معتدلا حسن الصورة .

وقال مقاتل : عدل خلقك في العينين والأذنين واليدين والرجلين ، والمعنى : عدل بين ما خلق لك من الأعضاء .

قرأ الجمهور " فعدلك " مشددا ، وقرأ عاصم ، وحمزة ، والكسائي بالتخفيف ، واختار أبو حاتم ، وأبو عبيد القراءة الأولى .

قال الفراء ، وأبو عبيد : يدل عليها قوله : { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } [ التين : 4 ] ومعنى القراءة الأولى : أنه سبحانه جعل أعضاءه متعادلة لا تفاوت فيها ، ومعنى القراءة الثانية : أنه صرفه وأماله إلى أي صورة شاء ، إما حسنا وإما قبيحا ، وإما طويلا وإما قصيرا .

{ في أي صورة ما شاء ركبك } { في أي صورة } متعلق بـ ركبك و " ما " مزيدة ، و " شاء " صفة ل ( صورة ) : أي ركبك في أي صورة شاءها من الصور المختلفة ، وتكون هذه الجملة كالبيان لقوله : فعدلك ، والتقدير : فعدلك ركبك في أي صورة شاءها ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال : أي ركبك حاصلا في أي صورة .

ونقل أبو حيان عن بعض المفسرين أنه متعلق بـ ( عدلك ) .

واعترض عليه بأن ( أي ) لها صدر الكلام فلا يعمل فيها ما قبلها .

قال مقاتل ، والكلبي ، ومجاهد : في أي شبه من أب أو أم أو خال أو عم .

وقال مكحول : إن شاء ذكرا وإن شاء أنثى .

وقوله : ( كلا ) للردع والزجر عن الاغترار بكرم الله وجعله ذريعة إلى الكفر به والمعاصي له ، ويجوز أن يكون بمعنى حقا ، وقوله : { بل تكذبون بالدين } إضراب عن جملة مقدرة ينساق إليها الكلام كأنه قيل بعد الردع : وأنتم لا ترتدعون عن ذلك بل تجاوزونه إلى ما هو أعظم منه من التكذيب بالدين وهو الجزاء ، أو بدين الإسلام .

قال ابن الأنباري : الوقف الجيد على " الدين " وعلى " ركبك " . وعلى " كلا " قبيح ، والمعنى : بل تكذبون يا أهل مكة بالدين : أي بالحساب ، و " بل " لنفي شيء تقدم وتحقيق غيره ، وإنكار البعث قد كان معلوما عندهم وإن لم يجر له ذكر .

قال الفراء : كلا ليس الأمر كما غررت به .

قرأ الجمهور ( تكذبون ) بالفوقية على الخطاب .

وقرأ الحسن ، وأبو جعفر ، وشيبة بالتحتية على الغيبة .

وجملة { وإن عليكم لحافظين } في محل نصب على الحال من فاعل ( تكذبون ) : أي تكذبون والحال أن عليكم من يدفع تكذيبكم ، ويجوز أن تكون مستأنفة مسوقة لبيان ما يبطل تكذيبهم ، والحافظين الرقباء من الملائكة الذين يحفظون على العباد أعمالهم ويكتبونها في الصحف .

ووصفهم سبحانه بأنهم كرام لديه يكتبون ما يأمرهم به من أعمال العباد .

وجملة { يعلمون ما تفعلون } في محل نصب على الحال من ضمير كاتبين ، أو على النعت ، أو مستأنفة .

قال الرازي : والمعنى التعجيب من حالهم كأنه قال : إنكم تكذبون بيوم الدين ، وملائكة الله موكلون بكم يكتبون أعمالكم حتى تحاسبوا بها يوم القيامة ، ونظيره قوله تعالى : { عن اليمين وعن الشمال قعيد } { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } [ ق : 18 ، 17 ] .

ثم بين سبحانه حال الفريقين فقال : { إن الأبرار لفي نعيم } { وإن الفجار لفي جحيم } والجملة مستأنفة لتقرير هذا المعنى الذي سيقت له ، وهي كقوله سبحانه : { فريق في الجنة وفريق في السعير } [ الشورى : 17 ] .

وقوله : { يصلونها يوم الدين } صفة لجحيم ، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من الضمير في متعلق الجار والمجرور ، أو مستأنفة جواب سؤال مقدر ، كأنه قيل ما حالهم ؟ فقيل { يصلونها يوم الدين } أي يوم الجزاء الذي كانوا يكذبون به ، ومعنى يصلونها : أنهم يلزمونها مقاسين لوهجها وحرها يومئذ .

قرأ الجمهور يصلونها مخففا مبنيا للفاعل ، وقرئ بالتشديد مبنيا للمفعول .

{ وما هم عنها بغائبين } أي لا يفارقونها أبدا ولا يغيبون عنها ، بل هم فيها ، وقيل المعنى : وما كانوا غائبين عنها قبل ذلك بالكلية بل كانوا يجدون حرها في قبورهم .

ثم عظم سبحانه ذلك اليوم فقال : { وما أدراك ما يوم الدين } { ثم ما أدراك ما يوم الدين } أي يوم الجزاء والحساب .

وكرره تعظيما لقدره وتفخيما لشأنه ، وتهويلا لأمره كما في قوله : { القارعة } { ما القارعة } { وما أدراك ما القارعة } [ القارعة : 1 - 3 ] و { الحاقة } { ما الحاقة } { وما أدراك ما الحاقة } [ الحاقة : 1 - 3 ] والمعنى : أي شيء جعلك داريا ما يوم الدين .

قال الكلبي : الخطاب للإنسان الكافر .

ثم أخبر سبحانه عن اليوم فقال : { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله } قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو برفع " يوم " على أنه بدل من ( يوم الدين ) ، أو خبر مبتدأ محذوف .

وقرأ أبو عمرو في رواية ( يوم ) بالتنوين ، والقطع عن الإضافة .

وقرأ الباقون بفتحه على أنها فتحة إعراب بتقدير أعني أو أذكر ، فيكون مفعولا به ، أو على أنها فتحة بناء لإضافته إلى الجملة على رأي الكوفيين ، وهو في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أو على أنه بدل من يوم الدين .

قال الزجاج : يجوز أن يكون في موضع رفع إلا أنه مبني على الفتح لإضافته إلى قوله : لا تملك وما أضيف إلى غير المتمكن فقد يبنى على الفتح ، وإن كان في موضع رفع ، وهذا الذي ذكره إنما يجوز عند الخليل ، وسيبويه إذا كانت الإضافة إلى الفعل الماضي ، وأما إلى الفعل المستقبل فلا يجوز عندهما ، وقد وافق الزجاج على ذلك أبو علي الفارسي ، والفراء وغيرهما ، والمعنى : أنها لا تملك نفس من النفوس لنفس أخرى شيئا من النفع أو الضر { والأمر يومئذ لله } وحده لا يملك شيئا من الأمر غيره كائنا ما كان .

قال مقاتل : يعني لنفس كافرة شيئا من المنفعة .

قال قتادة : ليس ثم أحد يقضي شيئا ، أو يصنع شيئا إلا الله رب العالمين ، والمعنى : أن الله لا يملك أحدا في ذلك اليوم شيئا من الأمور كما ملكهم في الدنيا .

ومثل هذا قوله : { لمن الملك اليوم لله الواحد القهار } [ غافر : 16 ] .

وقد أخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله : { وإذا البحار فجرت } قال : بعضها في بعض ، وفي قوله : { وإذا القبور بعثرت } قال : بحثت .

وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد ، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله : { علمت نفس ما قدمت وأخرت } قال : ما قدمت من خير وما أخرت من سنة صالحة يعمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا .

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس نحوه .

وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم ( من استن خيرا فاستن به فله أجره ومثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم ، ومن استن شرا فاستن به فعليه وزره ومثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم ، وتلا حذيفة { علمت نفس ما قدمت وأخرت } ) .

وأخرج سعيد بن منصور ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب أنه قرأ هذه الآية { ما غرك بربك الكريم } قال : غره والله جهله .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : جعل الله على ابن آدم حافظين في الليل وحافظين في النهار يحفظان عمله ويكتبان أثره .
الكتاب فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية , الجزء 1-1 , الصفحة 1594 - 1595
counter free hit invisible