<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

( سورة البلد )

عشرون آية ، مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

( { لا أقسم بهذا البلد } { وأنت حل بهذا البلد } { ووالد وما ولد } { لقد خلقنا الإنسان في كبد } )

بسم الله الرحمن الرحيم

( { لا أقسم بهذا البلد } { وأنت حل بهذا البلد } { ووالد وما ولد } { لقد خلقنا الإنسان في كبد } )

أجمع المفسرون على أن ذلك البلد هي مكة ، واعلم أن فضل مكة معروف ، فإن الله تعالى جعلها حرما آمنا ، فقال في المسجد الذي فيها : ( { ومن دخله كان آمنا } ) [ آل عمران : 97 ] وجعل ذلك المسجد قبلة لأهل المشرق والمغرب ، فقال : ( { وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره } ) [ البقرة : 144 ] وشرف مقام إبراهيم بقوله : ( { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } ) [ البقرة : 125 ] وأمر الناس بحج ذلك البيت فقال : ( { ولله على الناس حج البيت } ) [ آل عمران : 97 ] وقال في البيت : ( { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا } ) [ البقرة : 125 ] وقال : ( { وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا } ) [ الحج : 26 ] وقال : ( { وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق } ) [ الحج : 26 ] وحرم فيه الصيد ، وجعل البيت المعمور بإزائه ، ودحيت الدنيا من تحته ، فهذه الفضائل وأكثر منها لما اجتمعت في مكة لا جرم أقسم الله تعالى بها .

فأما قوله : ( { وأنت حل بهذا البلد } ) فالمراد منه أمور :

أحدها : وأنت مقيم بهذا البلد نازل فيه حال به ، كأنه تعالى عظم مكة من جهة أنه عليه الصلاة والسلام مقيم بها .

وثانيها : الحل بمعنى الحلال ، أي : أن الكفار يحترمون هذا البلد ولا ينتهكون فيه المحرمات ، ثم إنهم مع ذلك ومع إكرام الله تعالى إياك بالنبوة يستحلون إيذاءك ولو تمكنوا منك لقتلوك ، فأنت حل لهم في اعتقادهم لا يرون لك من الحرمة ما يرونه لغيرك ، عن شرحبيل : يحرمون أن يقتلوا بها صيدا أو يعضدوا بها شجرة ويستحلون إخراجك وقتلك ، وفيه تثبيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة ، وتعجيب له من حالهم في عدوانهم له .

وثالثها : قال قتادة : ( { وأنت حل } ) أي : لست بآثم ، وحلال لك أن تقتل بمكة من شئت ، وذلك أن الله تعالى فتح عليه مكة وأحلها له ، وما فتحت على أحد قبله ، فأحل ما شاء وحرم ما شاء وفعل ما شاء ، فقتل عبد الله بن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة ، ومقيس بن صبابة وغيرهما ، وحرم دار أبي سفيان ، ثم قال : ( " إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض ، فهي حرام إلى أن تقوم الساعة لم تحل لأحد قبلي ، ولن تحل لأحد بعدي ، ولم تحل إلا ساعة من نهار ، فلا يعضد شجرها ، ولا يختلى خلاها ، ولا ينفر صيدها ، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد . فقال العباس : إلا الإذخر يا رسول الله فإنه لبيوتنا وقبورنا ، فقال : إلا الإذخر ) " .

فإن قيل : هذه السورة مكية ، وقوله : ( { وأنت حل } ) إخبار عن الحال ، والواقعة التي ذكرتم إنما حدثت في آخر مدة هجرته إلى المدينة ، فكيف الجمع بين الأمرين ؟

قلنا : قد يكون اللفظ للحال والمعنى مستقبلا ، كقوله تعالى : ( { إنك ميت } ) [ الزمر : 30 ] وكما إذا قلت لمن تعده الإكرام والحباء : أنت مكرم محبو ، وهذا من الله أحسن ، لأن المستقبل عنده كالحاضر بسبب أنه لا يمنعه عن وعده مانع .

ورابعها : ( { وأنت حل بهذا البلد } ) أي وأنت غير مرتكب في هذا البلد ما يحرم عليك ارتكابه تعظيما منك لهذا البيت ، لا كالمشركين الذين يرتكبون فيه الكفر بالله وتكذيب الرسل .

وخامسها : أنه تعالى لما أقسم بهذا البلد دل ذلك على غاية فضل هذا البلد ، ثم قال : ( { وأنت حل بهذا البلد } ) أي وأنت من حل هذه البلدة المعظمة المكرمة ، وأهل هذا البلد يعرفون أصلك ونسبك وطهارتك وبراءتك طول عمرك من الأفعال القبيحة ، وهذا هو المراد بقوله تعالى : ( { هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم } ) [ الجمعة : 2 ] وقال : ( { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } ) [ التوبة : 128 ] وقوله : ( { فقد لبثت فيكم عمرا من قبله } ) [ يونس : 16 ] فيكون الغرض شرح منصب رسول الله صلى الله عليه وسلم بكونه من هذا البلد . أما قوله : ( { ووالد وما ولد } ) فاعلم أن هذا معطوف على قوله : ( { لا أقسم بهذا البلد } ) وقوله : ( { وأنت حل بهذا البلد } ) معترض بين المعطوف والمعطوف عليه ، وللمفسرين فيه وجوه :

أحدها : الولد آدم " وما ولد " ذريته ، أقسم بهم إذ هم من أعجب خلق الله على وجه الأرض ، لما فيهم من البيان والنطق والتدبير واستخراج العلوم وفيهم الأنبياء والدعاة إلى الله تعالى والأنصار لدينه ، وكل ما في الأرض مخلوق لهم وأمر الملائكة بالسجود لآدم وعلمه الأسماء كلها ، وقد قال الله تعالى : ( { ولقد كرمنا بني آدم } ) [ الإسراء : 70 ] فيكون القسم بجميع الآدميين صالحهم وطالحهم ، لما ذكرنا من ظهور العجائب في هذه البنية والتركيب ، وقيل : هو قسم بآدم والصالحين من أولاده ، بناء على أن الطالحين كأنهم ليسوا من أولاده وكأنهم بهائم . كما قال : ( { إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا } ) ، [ الفرقان : 44 ] ، ( { صم بكم عمي فهم لا يرجعون } ) [ البقرة : 18 ] .

وثانيها : أن الولد إبراهيم وإسماعيل وما ولد محمد صلى الله عليه وسلم وذلك لأنه أقسم بمكة وإبراهيم بانيها وإسماعيل ومحمد عليهما السلام سكانها ، وفائدة التنكير الإبهام المستقل بالمدح والتعجب ، وإنما قال : ( { وما ولد } ) ولم يقل ومن ولد ، للفائدة الموجودة في قوله : ( { والله أعلم بما وضعت } ) [ آل عمران : 36 ] أي بأي شيء وضعت يعني موضوعا عجيب الشأن .

وثالثها : الولد إبراهيم وما ولد جميع ولد إبراهيم بحيث يحتمل العرب والعجم . فإن جملة ولد إبراهيم هم سكان البقاع الفاضلة من أرض الشام ومصر وبيت المقدس وأرض العرب ومنهم الروم لأنهم ولد عيصو بن إسحاق ، ومنهم من خص ذلك بولد إبراهيم من العرب ومنهم من خص ذلك بالعرب المسلمين ، وإنما قلنا : إن هذا القسم واقع بولد إبراهيم المؤمنين لأنه قد شرع في التشهد أن يقال : " ( كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ) " وهم المؤمنين .

ورابعها : روي عن ابن عباس أنه قال : الولد الذي يلد ، وما ولد الذي لا يلد ، فـ" ما " ههنا يكون للنفي ، وعلى هذا لا بد عن إضمار الموصول أي : ووالد والذي ما ولد ، وذلك لا يجوز عند البصريين .

وخامسها : يعني كل والد ومولود ، وهذا مناسب ، لأن حرمة الخلق كلهم داخل في هذا الكلام .

وأما قوله تعالى : ( { لقد خلقنا الإنسان في كبد } ) ففيه مسائل :



المسألة الأولى : في الكبد وجوه :

أحدها : قال صاحب " الكشاف " : إن الكبد أصله من قولك كبد الرجل كبدا فهو كبد إذا وجعت كبده وانتفخت ، فاتسع فيه حتى استعمل في كل تعب ومشقة ، ومنه اشتقت المكابدة وأصله كبده إذا أصاب كبده .

وقال آخرون : الكبد شدة الأمر ومنه تكبد اللبن إذا غلظ واشتد ، ومنه الكبد لأنه دم يغلظ ويشتد ، والفرق بين القولين أن الأول جعل اسم الكبد موضوعا للكبد ، ثم اشتقت منه الشدة . وفي الثاني جعل اللفظ موضوعا للشدة والغلظ ، ثم اشتق منه اسم العضو .

الوجه الثاني : أن الكبد هو الاستواء والاستقامة .

الوجه الثالث : أن الكبد شدة الخلق والقوة ، إذا عرفت هذا فنقول أما على الوجه الأول فيحتمل أن يكون المراد شدائد الدنيا فقط ، وأن يكون المراد شدائد التكاليف فقط ، وأن يكون المراد شدائد الآخرة فقط ، وأن يكون المراد كل ذلك .

أما الأول : فقوله : ( { لقد خلقنا الإنسان في كبد } ) أي : خلقناه أطوارا كلها شدة ومشقة ، تارة في بطن الأم ، ثم زمان الإرضاع ، ثم إذا بلغ ففي الكد في تحصيل المعاش ، ثم بعد ذلك الموت .

وأما الثاني : وهو الكبد في الدين ، فقال الحسن : يكابد الشكر على السراء ، والصبر على الضراء ، ويكابد المحن في أداء العبادات .

وأما الثالث : وهو الآخرة ، فالموت ومساءلة الملك وظلمة القبر ، ثم البعث والعرض على الله إلى أن يستقر به القرار إما في الجنة وإما في النار .

وأما الرابع : وهو يكون اللفظ محمولا على الكل فهو الحق .

وعندي فيه وجه آخر : وهو أنه ليس في هذه الدنيا لذة البتة ، بل ذاك يظن أنه لذة فهو خلاص عن الألم ، فإن ما يتخيل من اللذة عند الأكل فهو خلاص عند ألم الجوع ، وما يتخيل من اللذات عند اللبس فهو خلاص عن ألم الحر والبرد ، فليس للإنسان إلا ألم أو خلاص عن ألم وانتقال إلى آخر ، فهذا معنى قوله : ( { لقد خلقنا الإنسان في كبد } ) ويظهر منه أنه لا بد للإنسان من البعث والقيامة ، لأن الحكيم الذي دبر خلقة الإنسان إن كان مطلوبه منه أن يتألم ، فهذا لا يليق بالرحمة ، وإن كان مطلوبه أن لا يتألم ولا يلتذ ، ففي تركه على العدم كفاية في هذا المطلوب ، وإن كان مطلوبه أن يلتذ ، فقد بينا أنه ليس في هذه الحياة لذة ، وأنه خلق الإنسان في هذه الدنيا في كبد ومشقة ومحنة ، فإذا لا بد بعد هذه الدار من دار أخرى ، لتكون تلك الدار دار السعادات واللذات والكرامات .

وأما على الوجه الثاني : وهو أن يفسر الكبد بالاستواء ، فقال ابن عباس : " في كبد " أي : قائما منتصبا ، والحيوانات الأخر تمشي منكسة ، فهذا امتنان عليه بهذه الخلقة .

وأما على الوجه الثالث : وهو أن يفسر الكبد بشدة الخلقة ، فقد قال الكلبي : نزلت هذه الآية في رجل من بني جمح يكنى أبا الأشد ، وكان يجعل تحت قدميه الأديم العكاظي ، فيجتذبونه من تحت قدميه فيتمزق الأديم ولم تزل قدماه ، واعلم أن اللائق بالآية هو الوجه الأول .



المسألة الثانية : حرف " في " واللام متقاربان ، تقول : إنما أنت للعناء والنصب ، وإنما أنت في العناء والنصب ، وفيه وجه آخر وهو أن قوله : ( { في كبد } ) يدل على أن الكبد قد أحاط به إحاطة الظرف بالمظروف ، وفيه إشارة إلى ما ذكرنا أنه ليس في الدنيا إلا الكد والمحنة .

المسألة الثالثة : منهم من قال : المراد بالإنسان إنسان معين ، وهو الذي وصفناه بالقوة ، والأكثرون على أنه عام يدخل فيه كل أحد وإن كنا لا نمنع من أن يكون ورد عند فعل فعله ذلك الرجل .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 31-31 , الصفحة 163 - 166
counter free hit invisible