<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

{ والليل إذا يغشى } { والنهار إذا تجلى } { وما خلق الذكر والأنثى } { إن سعيكم لشتى } .

افتتاح الكلام بالقسم جار على أسلوب السورتين قبل هذه ، وغرض ذلك ما تقدم آنفا .

ومناسبة المقسم به للمقسم عليه أن سعي الناس منه خير ومنه شر وهما يماثلان النور والظلمة ، وأن سعي الناس ينبثق عن نتائج منها النافع ومنها الضار كما ينتج الذكر والأنثى ذرية صالحة وغير صالحة .

وفي القسم بالليل والنهار التنبيه على الاعتبار بهما في الاستدلال على حكمة نظام الله في هذا الكون وبديع قدرته ، وخص بالذكر ما في الليل من الدلالة من حالة غشيانه الجانب الذي يغشاه من الأرض ويغشى فيه من الموجودات فتعمها ظلمته فلا تبدو للناظرين ; لأن ذلك أقوى أحواله ، وخص بالذكر من أحوال النهار حالة تجليته عن الموجودات وظهوره على الأرض كذلك .

وقد تقدم بيان الغشيان والتجلي في تفسير قوله : ( { والنهار إذا جلاها } { والليل إذا يغشاها } ) في سورة الشمس .

واختير القسم بالليل والنهار لمناسبته للمقام ; لأن غرض السورة بيان البون بين حال المؤمنين والكافرين في الدنيا والآخرة .

وابتدئ في هذه السورة بذكر الليل ثم ذكر النهار عكس ما في سورة الشمس ; لأن هذه السورة نزلت قبل سورة الشمس بمدة وهي سادسة السور ، وأيامئذ كان الكفر مخيما على الناس إلا نفرا قليلا ، وكان الإسلام قد أخذ في التجلي فناسب تلك الحالة بإشارة إلى تمثيلها بحالة الليل حين يعقبه ظهور النهار ، ويتضح هذا في جواب القسم بقوله : ( { إن سعيكم لشتى } ) إلى قوله : ( { إذا تردى } ) . وفي قوله : ( { إن سعيكم لشتى } ) إجمال يفيد التشويق إلى تفصيله بقوله : ( { فأما من أعطى } ) الآية ؛ ليتمكن تفصيله في الذهن .

وحذف مفعول ( يغشى ) لتنزيل الفعل منزلة اللازم ; لأن العبرة بغشيانه كل ما تغشاه ظلمته .

وأسند إلى النهار التجلي مدحا له بالاستنارة التي يراها كل أحد ويحس بها حتى البصراء .

والتجلي : الوضوح ، وتجلي النهار : وضوح ضيائه ، فهو بمعنى قوله : ( { والشمس وضحاها } ) وقوله : ( { والضحى } ) .

وأشير إلى أن ظلمة الليل كانت غالبة لضوء النهار وأن النهار يعقبها ، والظلمة هي أصل أحوال أهل الأرض وجميع العوالم المرتبطة بالنظام الشمسي ، وإنما أضاءت بعد أن خلق الله الشمس ، ولذلك اعتبر التاريخ في البدء بالليالي ثم طرأ عليه التاريخ بالأيام .

والقول في تقييد الليل بالظرف وتقييد النهار بمثله كالقول في قوله : ( { والنهار إذا جلاها } { والليل إذا يغشاها } ) في السورة السابقة .

و ( ما ) في قوله : ( { وما خلق الذكر والأنثى } ) مصدرية ، أقسم الله بأثر من آثار قدرته وهو خلق الزوجين وما يقتضيه من التناسل .

والذكر والأنثى : صنفا أنواع الحيوان . والمراد : خصوص خلق الإنسان وتكونه من ذكر وأنثى كما قال تعالى : ( { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى } ) لأنه هو المخلوق الأرفع في عالم الماديات وهو الذي يدرك المخاطبون أكثر دقائقه لتكرره على أنفسهم ذكورهم وإناثهم بخلاف تكون نسل الحيوان ، فإن الإنسان يدرك بعض أحواله ولا يحصي كثيرا منها .

والمعنى : وذلك الخلق العجيب من اختلاف حالي الذكورة والأنوثة مع خروجهما من أصل واحد ، وتوقف التناسل على تزاوجهما ، فالقسم بتعلق من تعلق صفات الأفعال الإلهية وهي قسم من الصفات لا يختلف في ثبوته ، وإنما اختلف علماء أصول الدين في عد صفات الأفعال من الصفات ، فهي موصوفة بالقدم عند الماتريدي ، أو جعلها من تعلق صفة القدرة ، فهي حادثة عند الأشعري ، وهو آيل إلى الخلاف اللفظي .

وقد كان القسم في سورة الشمس بتسوية النفس ، أي : خلق العقل والمعرفة في الإنسان ، وأما القسم هنا فبخلق جسد الإنسان واختلاف صنفيه ، وجملة ( { إن سعيكم لشتى } ) جواب القسم . والمقصود من التأكيد بالقسم قوله : ( { وما يغني عنه ماله إذا تردى } ) .

والسعي حقيقته : المشي القوي الحثيث ، وهو مستعار هنا للعمل والكد .

وشتى : جمع شتيت على وزن فعلى مثل قتيل وقتلى ، مشتق من الشت وهو التفرق الشديد يقال : شت جمعهم ، إذا تفرقوا ، وأريد به هنا التنوع والاختلاف في الأحوال كما في قول تأبط شرا : قليل التشكي للملم يصيبه كثير الهوى شتى النوى والمسالك

وهو استعارة أو كناية عن الأعمال المتخالفة ; لأن التفرق يلزمه الاختلاف .

والخطاب في قوله : ( { إن سعيكم } ) لجميع الناس من مؤمن وكافر .

واعلم أنه قد روي في الصحيحين عن علقمة قال : " ( دخلت في نفر من أصحاب عبد الله - يعني ابن مسعود - الشام ، فسمع بنا أبو الدرداء ، فأتانا فقال : أيكم يقرأ على قراءة عبد الله ؟ فقلت : أنا . قال : كيف سمعته يقرأ ( { والليل إذا يغشى } ) ؟ قال : سمعته يقرأ : ( والليل إذا يغشى والنهار إذ تجلى والذكر والأنثى ) . قال : أشهد أني سمعت النبيء - صلى الله عليه وسلم - يقرأ هكذا ) . وسماها في الكشاف : قراءة النبيء - صلى الله عليه وسلم - أي : ثبت أنه قرأ بها ، وتأويل ذلك : أنه أقرأها أبا الدرداء أيام كان القرآن مرخصا أن يقرأ على بعض اختلاف ، ثم نسخ ذلك الترخيص بما قرأ به النبيء - صلى الله عليه وسلم - في آخر حياته وهو الذي اتفق عليه قراء القرآن وكتب في المصحف في زمن أبي بكر - رضي الله عنه - وقد بينت في المقدمة السادسة من مقدمات هذا التفسير معنى قولهم : قراءة النبيء صلى الله عليه وسلم .
الكتاب التحرير والتنوير , الجزء 31-31 , الصفحة 379 - 380
counter free hit invisible