<(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)>

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا

<( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا )>

إختر رقم الاية التي تريد تفسيرها

[ سورة الشرح ]

ثمان آيات مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

( { ألم نشرح لك صدرك } ) .

يروى عن طاووس وعمر بن عبد العزيز أنهما كانا يقولان : هذه السورة وسورة الضحى سورة واحدة وكانا يقرآنهما في الركعة الواحدة وما كانا يفصلان بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم والذي دعاهما إلى ذلك هو أن قوله تعالى : ( { ألم نشرح لك } ) كالعطف على قوله : ( { ألم يجدك يتيما } ) [الضحى : 6] وليس كذلك لأن الأول كان نزوله حال اغتمام الرسول صلى الله عليه وسلم من إيذاء الكفار فكانت حال محنة وضيق صدر . والثاني يقتضي أن يكون حال النزول منشرح الصدر طيب القلب ، فأنى يجتمعان .

بسم الله الرحمن الرحيم

( { ألم نشرح لك صدرك } )

استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار ، فأفاد إثبات الشرح وإيجابه ، فكأنه قيل : شرحنا لك صدرك ، وفي شرح الصدر قولان :

الأول : ما روي أن جبريل عليه السلام أتاه وشق صدره وأخرج قلبه وغسله وأنقاه من المعاصي ثم ملأه علما وإيمانا ووضعه في صدره .

واعلم أن القاضي طعن في هذه الرواية من وجوه :

أحدها : أن الرواية أن هذه الواقعة إنما وقعت في حال صغره عليه السلام وذلك من المعجزات ، فلا يجوز أن تتقدم نبوته .

وثانيها : أن تأثير الغسل في إزالة الأجسام ، والمعاصي ليست بأجسام فلا يكون للغسل فيها أثر .

ثالثها : أنه لا يصح أن يملأ القلب علما ، بل الله تعالى يخلق فيه العلوم .

والجواب عن الأول : أن تقويم المعجز على زمان البعثة جائز عندنا ، وذلك هو المسمى بالإرهاص ، ومثله في حق الرسول عليه السلام كثير .

وأما الثاني والثالث : فلا يبعد أن يكون حصول ذلك الدم الأسود الذي غسلوه من قلب الرسول عليه السلام علامة للقلب الذي يميل إلى المعاصي ، ويحجم عن الطاعات ، فإذا أزالوه عنه كان ذلك علامة لكون صاحبه مواظبا على الطاعات محترزا عن السيئات ، فكان ذلك كالعلامة للملائكة على كون صاحبه معصوما ، وأيضا فلأن الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد .

والقول الثاني : أن المراد من شرح الصدر ما يرجع إلى المعرفة والطاعة ، ثم ذكروا فيه وجوها :

أحدها : أنه عليه السلام لما بعث إلى الجن والإنس فكان يضيق صدره عن منازعة الجن والإنس والبراءة من كل عابد ومعبود سوى الله ، فآتاه الله من آياته ما اتسع لكل ما حمله وصغره عنده كل شيء احتمله من المشاق ، وذلك بأن أخرج عن قلبه جميع الهموم وما ترك فيه إلا هذا الهم الواحد ، فما كان يخطر بباله هم النفقة والعيال ، ولا يبالي بما يتوجه إليه من إيذائهم ، حتى صاروا في عينه دون الذباب لم يجبن خوفا من وعيدهم ، ولم يمل إلى ما لهم ، وبالجملة فشرح الصدر عبارة عن علمه بحقارة الدنيا وكمال الآخرة ، ونظيره قوله : ( { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا } ) [الأنعام : 125] وروي أنهم ( قالوا : يا رسول الله أينشرح الصدر ؟ قال : نعم ، قالوا : وما علامة ذلك ؟ قال : "التجافي عن الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والإعداد للموت قبل نزوله" ) وتحقيق القول فيه أن صدق الإيمان بالله ووعده ووعيده يوجب للإنسان الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة والاستعداد للموت .

وثانيها : أنه انفتح صدره حتى أنه كان يتسع لجميع المهمات لا يقلق ولا يضجر ولا يتغير ، بل هو في حالتي البؤس والفرح منشرح الصدر مشتغل بأداء ما كلف به ، والشرح التوسعة ، ومعناه الإراحة من الهموم ، والعرب تسمي الغم والهم ضيق صدر كقوله : ( { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك } ) [الحجر : 97] وههنا سؤالات :

الأول : لم ذكر الصدر ولم يذكر القلب ؟ والجواب : لأن محل الوسوسة هو الصدر على ما قال : ( { يوسوس في صدور الناس } ) [الناس : 5] فإزالة تلك الوسوسة وإبدالها بدواعي الخير هي الشرح ، فلا جرم خص ذلك الشرح بالصدر دون القلب ، وقال محمد بن علي الترمذي : القلب محل العقل والمعرفة ، وهو الذي يقصده الشيطان ، فالشيطان يجيء إلى الصدر الذي هو حصن القلب ، فإذا وجد مسلكا أغار فيه ونزل جنده فيه ، وبث فيه من الهموم والغموم والحرص فيضيق القلب حينئذ ولا يجد للطاعة لذة ولا للإسلام حلاوة ، وإذا طرد العدو في الابتداء منع وحصل الأمن ويزول الضيق وينشرح الصدر ويتيسر له القيام بأداء العبودية .

السؤال الثاني : لم قال : ( { ألم نشرح لك صدرك } ) ولم يقل ألم نشرح صدرك ؟ والجواب : من وجهين :

أحدهما : كأنه تعالى يقول : لام بلام ، فأنت إنما تفعل جميع الطاعات لأجلي كما قال : ( { إلا ليعبدون } ) [الذاريات : 56] ( { وأقم الصلاة لذكري } ) [طه : 64] فأنا أيضا جميع ما أفعله لأجلك .

وثانيها : أن فيها تنبيها على أن منافع الرسالة عائدة إليه عليه السلام ، كأنه تعالى قال : إنما شرحنا صدرك لأجلك لا لأجلي . السؤال الثالث : لم قال : ( { ألم نشرح } ) ولم يقل : ألم أشرح ؟ والجواب : إن حملناه على نون التعظيم ، فالمعنى أن عظمة المنعم تدل على عظمة النعمة ، فدل ذلك على أن ذلك الشرح نعمة لا تصل العقول إلى كنه جلالتها ، وإن حملناه على نون الجميع ، فالمعنى كأنه تعالى يقول : لم أشرحه وحدي بل أعملت فيه ملائكتي ، فكنت ترى الملائكة حواليك وبين يديك حتى يقوى قلبك ، فأديت الرسالة وأنت قوي القلب ولحقتهم هيبة ، فلم يجيبوا لك جوابا ، فلو كنت ضيق القلب لضحكوا منك ، فسبحان من جعل قوة قلبك جبنا فيهم ، وانشراح صدرك ضيقا فيهم .
الكتاب التفسير الكبير , الجزء 32-32 , الصفحة 3 - 5
counter free hit invisible